فهرس الكتاب
أما من ترك واجبًا من الواجبات عاجزًا عنه معذورًا شرعًا في تركه كمن لم يتمكن من المبيت بمزدلفة لازدحام الناس أو نحو ذلك فإنه لا شيء عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
إن قال قائل: لم فرقنا بين هذه المسألة ومسألة سابقة وهي مسألة الفدية فقلنا: أن من فعل محظورًا من محظورات الإحرام جاهلًا أو ناسيًا فلا شيء عليه وهنا نقول من ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا فعليه دم؟
فالجواب: أنا فرقنا بمفرق وهو أن هذه واجبات وهذه محرمات فهذه أوامر وهذه نواهي فالأوامر مازال المكلف مطالبًا بها وأما النواهي فإنها إن وقعت منه فقد وقع في المنهي عنه فكما لو لم يقع منه حيث كان ناسيًا أو جاهلًا، وأما الأوامر فإنه لا يزال مطالبًا بها فحينئذ يجبر هذا بالدم.
فمن فعل أمرًا محرمًا منهيًا عنه ليس كمن ترك واجبًا.
ولذا فرقنا في مسألة سابقة بين من صلى وعليه نجاسة فقلنا: صلاته صحيحة، وبين من صلى ولا وضوء عليه فقلنا: صلاته باطلة لأن هذا من باب الأوامر وهذا من باب النواهي.
قال: (أو سنة فلا شيء عليه)
فمن ترك سنة من السنن كالاضطباع والرمل وغيرهما فإنه لا شيء عليه وهذا باتفاق العلماء.
والحمد لله رب العالمين.
تقدم في الدرس السابق تقوية ما ذهب إليه بعض أهل العلم من وجوب طواف الوداع في العمرة كوجوبه في الحج، وأن أظهر الأدلة على هذا ما قرره شيخ الإسلام: في أن طواف الوداع ليس من واجبات الحج بل من واجبات البيت توديعًا له وحينئذٍ فلا فرق بين الحاج والمعتمر، بدليل أن من أراد الخروج من مكة شرع له ذلك ولو كان خروجه بعد خروج شهر ذي الحجة.
وبقي الحديث عن دليل ما ذهب إليه الحنابلة وغيرهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر عمرتين أو ثلاثًا ومع ذلك فإنه لم يطف طواف الوداع ولم يأمر به ولو كان ثابتًا لنقل إلينا.