ودليل ما اتفق عليه أهل العلم من أن المرض المخوف الذي يتصل به الموت له حكم الوصية، ما ثبت في مسلم: أن رجلًا من الأنصار أعتق ستة أعبد في مرضه ولا مال له غيرهم فاستدعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -?وجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة? (1) ?وهذا في العتق فكذلك الهبة.
قال: [ومن امتدَّ?مرضه بجذام أو سلٍ أو فالجٍ ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله] .
الجذام: مرض تتساقط به الأعضاء.
فإذا امتد به هذا المرض المخوف ولم يقعده على فراشه فإن ما يهبه من الهبات تكون من جميع المال لا من الثلث.
إذن: له حكم تصرف الصحيح.
أما إذا أقعده في فراشه فليس له حكم تصرف الصحيح بل له الحكم المتقدم فيكون له حكم الوصية، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد?
القول الثاني?،?وهو رواية عن الإمام أحمد وهو وجه في المذهب?أنه له حكم الوصية أيضًا وإن لمم يقعده على فراشه، وهذا هو القول الراجح?
إذ عدم قعوده في الفراش ليس بمؤثر مع أن هذا المرض مخوف، وعدم قعوده على الفراش مع أن هذا المرض بطبيعته مرض مخوف يخشى أن يتعجل معه الموت لا يكون مؤثرًا.
قال: [والعكس بالعكس] .
أي إذا كان يقطعه بفراشٍ فتصرفاته كتصرفات المريض مرضًا مخوفًا أي في حكم الوصية.
قال: [ويعتبر الثلث عند موته] .
فيعتبر الثلث عند موته لا حال هبته وعطيته.
رجل يملك تسعين ألفًا وهو في مرض مخوف فأعطى رجلًا ثلاثين ألفًا أي هبة، فهي ثلث ماله حال العطية، ثم أنفق على نفسه من المال فبقى له عند موته ستون ألفًا، فأصبحت الثلاثون ألفًا نصف ماله.
فالحكم: أنه يعتبر الثلث عند موته؛ وذلك لأن هذا هو زمن استحقاق الوصية ولزومها، فكذلك الهبة.
(1) أخرجه مسلم في باب من أعتق شركا له في عبد من كتاب الأيمان، وأبو داود باب في من أعتق عبيدا له.. من كتاب العتق، والترمذي والنسائي، والإمام مالك مرسلا، والإمام أحمد، المغني [8 / 395] .