أنّ كلام بعض فقهائنا الأقدمين في جواز بيع الفلس بالفلسين صحيح؛ لأنه (في زمنهم) عروض، ولكن ذكرت بعض كتب الفقه قيدًا لا بدّ منه في هذه الصورة، وهو (كساد الفلوس) .
جاء في «بدائع الصنائع» (6/59) للكاساني: «وأمّا الفلوس فإن كانت كاسدة فلا تجوز الشركة ولا المضاربة بها؛ لأنها عُروض» .
ومعنى هذا أنّ الفلوس إذا بطل التعامل بها (2) فإنّ لها قيمة في نفسها، فتصبح (عروضًا) .
وهذا المعنى لم ينفك عنها في أول ضربها، وعليه يُحمل ما في كتب الفقه القديمة، ففي «فتح القدير» لابن الهمام -مثلًا-: «ولو استقرض فلوسًا نافعة فكسدت: عند أبي حنيفة -رحمه الله- يجب عليه مثلها؛ لأنه إعارة وموجبه ردّ العين -معنى-، والثمنيّة فضل فيه، إذ القرض لا يُختص به . . . » .
فانظر -أخي القارئ -رعاك الله- إلى قوله: «والثمنيّة فضل فيه» أي: شيء زائد عن كونها سلعة، فكلام السابقين من الفقهاء يصلح تنزيله باعتبار حالهم، ولا يجوز التفريع والتخريج عليه إلا بعد تصوّره، ويجب أن ينزل في محلّه المناسب له، ومتى تلازمت (الثمنيّة) مع (النقود) أو (الأوراق الماليّة) -أو غلبت عليها- فلها حكم آخر غير (العروض) .
جاء في «بدائع الصنائع» (6/59) : «وعند محمد: الثمنيّة لازمة للفلوس النافقة، فكانت من الأثمان، ولهذا أبى جواز بيع الواحد باثنين منهما، فتصلح رأس مال الشركة كسائر الأثمان من الدراهم والدنانير» .