أمّا بعد أن ألِفَها الناس، وسالت في الأسواق تداولًا ووفاء من الدولة، وعليها، وبين الناس، ولمس المتعاملون بها مزيتها في الخفّة وسهولة النقل، فقد تُنُوسي -كما ذكرنا- فيها هذا الأصل السَّنَدي، واكتسب في نظر الجميع واعتبارهم وعرفهم صفة النقد المعدني، وسيولته، بلا فرق، فوجب بذلك اعتبارها بمثابة الفلوس الرائجة من المعادن غير الذهب والفضّة، تلك الفلوس التي اكتسبت صفة النقديّة بالوضع والعرف والاصطلاح، حتى إنها -وإن لم تكن ذهبًا أو فضّة- لتعتبر -بحسب القيمة التي لها- بمثابة أجزاء للوحدة النقديّة الذهبيّة التي تسمّى دينارًا، أو ليرة، أو جنيهًا ذهبيًّا -بحسب اختلاف التسمية العرفيّة بين البلاد للوحدة -من النقود المسكوكة الذهبيّة-.
وهذا حال الفلوس الرائجة من المعادن المختلفة غير الذهب والفضّة بالنظر الشرعي، وهو الصفة التي يجب إعطاؤها -في نظرنا- للأوراق النقديّة (البنكنوت) ، فتبديل جنس منها كالدينار الكويتي الورقي، أو الليرة السوريّة أو اللبنانيّة -مثلًا- بجنس آخر كالجنيه المصري أو الأسترالي، أو الدولار الأمريكي -مثلًا- يعتبر كالمصارفة بين الذهب والفضّة، والفلوس المعدنيّة الرائجة على سواء.
والقاعدة الفقهيّة في هذه المصارفة أنه عند اختلاف الجنس يجوز التفاضل في المقدار بين العِوَضين، ولكن يجب التقابض في المجلس من الجانبين منعًا للربا المنصوص عليه في الحديث النبوي». انتهى كلامه.
سادسًا: ومما زاد الطينَ بِلّة ، والسُّوءَ عِلّة: خطأ منهجي آخر، وقع فيه (مراد) ، وهو معاملته كلام (بعض) الفقهاء في (الفلوس) معاملة (النصوص) ، فجعله ثابتا حاكمًا مطردًا!
وهذا من الظلم البيِّن، والتدليل عليه يحتاج إلى نظر في (تطور النقود) ، وهذه المقالة لا تتسع لذلك! والذي يهمني التركيز عليه -هنا- هو: