فهرس الكتاب
وأمور الشرع كلها جاءت بالاعتدال والتوازن ، فلا يطغى فيها جانب على جانب، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: (( إن لنفسك عليك حقًا ، ولأهلك عليك حقًا ، ولربك عليك حقًا ، فأعط كل ذي حق حقه ) ). (1)
ولعل الحكمة من ذلك: أن الشارع الحكيم أراد أن يبلغ بالإنسان مستوى الكمال المقدور له ، بجعله عبدًا خالصًا لله بكيانه ، ومعتقداته ، وميوله ، وتصرفاته، وسلوكه ، وسائر أفعاله وتروكه ، قال - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ... ) )الحديث . (2)
وإذا كان حق العمل من الحقوق المقررة للإنسان في الشريعة الإسلامية فله أن يسلك السبيل الشرعي المؤدي إلى ذلك ، من غير أن يستغرقه العمل فيضيع الصلاة مثلًا .
قال الشاطبي رحمه الله: (( فيأخذ من الحظوظ - أي الحقوق - ما لم يخل بواجب، ويترك من الحظوظ ما لم يؤد الترك إلى محظور ) ). (3)
رابعًا: انتفاء الضرر باستعمال الحقوق:
هناك قاعدة فقهية أصلها الحديث النبوي الشريف: (( لا ضرر ولا
ضرار )) (4) ، واستعمال الحق مقيد في الشريعة بانتفاء الضرر عن الغير ، ومن الأمثلة على ذلك: من حق الإنسان أن يبني على أرضه مسكنًا له ، لكن بحيث لا يضر بجيرانه فلا ضرر ولا ضرار ، والضرر يزال .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصوم ـ باب من أقسم على أخيه ليفطر ـ ح1918 ، وباب حق الضيف في الصوم ـ ح1974 ، ومسلم في صحيحه - كتاب الصيام ـ باب النهي عن صوم الدهر ـ ح1159 .
(2) رواه أحمد في المسند ( 4/422 ، 5/350 ، 351 ) ، وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان ـ باب الدين يسر ـ ح39 من الفتح 1 / 93 .
(3) الموافقات ( 2 / 146 ) .
(4) أخرجه أحمد في المسند ( 5/327 ) ، ورواه ابن ماجة في السنن - كتاب الأحكام ـ باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ـ ح2340 ـ 2/784 .
... وذكره الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ( رقم 1895 ) .