؟ قال: نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي . (1)
فمن الحديث السابق نستفيد من موقف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مؤازرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويظهر ذلك في أمور:
الأول: تزميل النبي - صلى الله عليه وسلم - برداء العطف والحنان ، ثم لفه بما يدفئه ويذهب عنه روعه، وهذا من الاستقبال المتميز ، بخلاف ما لو قابلته بالتعنيف والمحاسبة .
الثاني: تلك الكلمات العظيمة من امرأة لم تكن تعرف الإسلام ، ولكنها تعرف مكارم الأخلاق ، فتتوسم في محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه سيحيي تلك المكارم، وهي: صلة الأرحام ، وتحمّل الكل أي: الذي لا يستقل بأمره ، بل يحتاج إلى من يحمله، وإكساب المعدوم ، وهو الفقير يعطيه حتى يستغني عن الناس ، وإقراء الضيف ، فيؤدي حق الضيافة ، ثم تختم ذلك بكلمة جامعة لكل خير: وتيعن على نوائب الحق ، ما ذكر ومما لم يذكر .
الثالث: الاستثبات من أهل العلم ، والرجوع إليهم في الملمات ، وكانت خديجة رضي الله عنها تعرف لابن عمها ورقة بن نوفل التنسك والتعبد، بعيدًا عن شرك قريش ، واتباع أهل الكتاب الذين لم يحرفوا ولم يبدلوا ، بدليل أنه لما قصّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأى وما سمع ، بشّره بأن ذلك هو الوحي الذي كان ينزل به جبريل على الأنبياء ، كموسى عليهم السلام .
وقد ثبت في الأخبار الصحيحة أن خديجة رضي الله عنها واست النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسها ومالها ، ووقفت معه ليبلغ دين الله تعالى ، حتى توفاها الله تعالى ، ولهذا كانت عائشة رضي الله عنها تغار من كثرة ذكره - صلى الله عليه وسلم - لخديجة ، مع ثنائه على عائشة وتشبيهها في الفضل على النساء بالثريد المفضل على سائر الطعام .
(1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي ـ ح3 ـ الفتح 1/22 .