ثم إن نظرة هؤلاء العاتبين على الإسلام إباحته الطلاق إنما نظروا من زاوية واحدة وهي ما يقع على المرأة من الضرر وغاب عنهم جوانب أخرى ، فقد تتعذر العشرة بين الزوجين ، وتفشل كل سبل الإصلاح ، ولا يبقى إلا المفارقة وقد قال الله تعالى عن ذلك الموقف: { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًا مِنْ سِعَتِهِ } (1) .
وكثيرًا ما يحدث بين الزوجين من الأسباب والدواعي ما يجعل الطلاق ضرورة لازمة، ووسيلة متعينة لتحقيق الخير ، والاستقرار العائلي والاجتماعي لكل منهما .
وقد يطلع أحد الزوجين على ما لا يرضاه من صاحبه من خلق فيضيق به ضرعًا ولا مخلص حينئذ إلا الطلاق أو المفاداة .
ولم ينكر صلى الله عليه وآله وسلم على الصحابية التي جاءته فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في دين ولا خلق ولكن لا أطيقه ، وإني أخاف الكفر ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( أتردين عليه حديقته ؟ ) )فقالت: نعم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ) ). (2)
والشاهد أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على زوجة ثابت بن قيس ابن شماس كرهها له ، وعدم صبرها عليه وتضايقها من دمامة خلقته ، وكان الخلع وهو نوع من أنواع الفرقة حلًا ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام .
ولو لم يكن هناك حل عند التباغض وأجبر كل من الزوجين بالبقاء مع الآخر لأدى ذلك إلى مفاسد عظيمة منها:
1-أن الضغينة تأكل قلبيهما وتزداد النفرة والتضايق بينهما .
2-ومنها أن كلًا منهما يسعى للتخلص من صاحبه بكل وسيلة ممكنة وهذا يؤدي إلى ارتكاب جرائم القتل واستعمال السحر والإيقاع بالآخر متى واتت الفرصة .
3-ومنها أن المرأة إذا لم تنسجم مع زوجها اتخذت خدينًا سريًا وكذلك الرجل يتخذ خليلات وعشيقات يوافقنه في المزاج .
(1) سورة النساء - الآية ( 130 ) .
(2) البخاري في الطلاق - باب الخلع - ح 5273 ، الفتح ( 9 / 395 ) .