فمن هذه النصوص يفهم أن الخضاب المشروع: ما كان بالحناء وحده ، وهو التحمير ، أو بالحناء والكتم ، وهو نبت إذا خلط مع الحناء وخضب به جاء لون الشعر بين السواد والحمرة ، وهو أحسن من الحمرة الخالصة ، والأحسن منهما الخضاب بالصفرة ، ويشهد لهذا حديث ابن عمر السابق ، ونبت الورس والزعفران إذا جمعا وخضب بهما كان الشعر بين الصفرة والحمرة، ويشهد لهذا حديث عثمان بن عبد الله بن وهب ، لما أرسله أهله إلى أم سلمة ، وفيه قال: فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حرًا (1) ، والجلجل: إناء صنع لحفظ شعراته - صلى الله عليه وسلم - من أجل التبرك والاستشفاء بها ، وهذا من خصوصياته - صلى الله عليه وسلم - .
وهذه الألوان - أي الحمرة أو الصفرة ، أو الجمع بين الحمرة والسواد بالكتم مع الحناء - هي الخضاب الشرعي ، لورود السنة به ، ولأنه يعرف حال المخضوب بذلك ، فلا يتدلس ، ولما في ذلك من مخالفة أهل الكتاب .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (( وقد نقل عن أحمد أنه يجب ، وعنه يجب ولو مرة، وعنه: لا أحب لأحد ترك الخضب، ويتشبه بأهل الكتاب ) ). (2)
أما الخضاب بالسواد الخالص فلا خلاف بين أهل العلم أنه إذا أدى إلى التدليس ، كالكبير يغير بالسواد ليظن أنه لا زال شابًا ليدلس أمره ، وبخاصة حال الخطبة ، فهذا حرام ، لأن التدليس حرام ، وما أدى إليه مثله .
وأما ما عدا ذلك ففيه خلاف بين أهل العلم ، منهم من أباحه مطلقًا ، ومنهم من منعه مطلقًا ، وهو رواية في مذهب الشافعي وأحمد، واختارها النووي.
ومنهم من أجازه في أحوال خاصة ، كالحرب ، وللسلطان ، وللمرأة المتزوجة ، إذا كان ذلك يعجب زوجها . (3)
وفي النصوص تحذير من الصبغ بالسواد ، فتركه أولى مطلقًا ، وفيما فعل السلف ما يسع الجميع ، والله أعلم .
(1) رواه البخاري في كتاب اللباس ـ باب ما يذكر في الشيب ـ ح5896 .
(2) فتح الباري ( 10/355 ، 356 ) .
(3) فتح الباري ( 10/354 ) .