لا فما يخطب مثلي من سها ... إنما يخطب مثلي من ألح
قال فماج الناس بعضهم في بعض واضطرب المجلس، فوثبت أم إبراهيم من وسط الناس وقالت لعبد الواحد: يا أبا عبيد ألست تعرف ولدي إبراهيم ورؤساء أهل البصرة يخطبونه على بناتهم، وأنا أضِنّ به عليهم، فقد والله أعجبتني هذه الجارية وأنا أرضاها عرسًا لولدي، فكرّر ما ذكرت من حسنها وجمالها فأخذ عبد الواحد في وصف حوراء ثم أنشد:
تولد النور من نور وجهها ... فمازج طيب الطيب من خالص العطر ...
فلو وطئت بالنعل منها على الحصى ... لأعشبت الأقطار من غيرما قطر ...
ولو شئت عقد الحضر منها عقدته ... كغصن من الريحان ذي ورق خضر ...
ولو تفلت من البحر شهد رضابها ... لطاب لأهل البر شرب من البحر ...
يكاد اختلاس اللحظ يجرح خدها ... بجارح وهم القلب من خارج السر
فاضطرب الناس أكثر، فوثبت أم إبراهيم وقالت لعبد الواحد: يا أبا عبيد! قد والله أعجبتني هذه الجارية، وأنا أرضاها عرسًا لولدي فهل لك أن تزوجه منها، وتأخذ مني مهرها عشرة آلاف دينار ويخرج معك في هذه الغزوة فلعل الله يرزقه الشهادة فيكون شفيعًا لي ولأبيه في القيامة؟ فقال لها عبد الواحد: لئن فعلت لتفوزن أنت وولدك وأبو ولدك فوزًا عظيمًا. ثم نادت ولدها: يا إبراهيم! فوثب من وسط الناس وقال لها: لبيك يا أماه. قالت: أي بني أرضيت لهذه الجارية زوجة ببذل مهجتك في سبيله وترك العود في الذنوب؟ فقال الفتى: أي والله يا أماه رضيت أي رضى، فقالت: اللهم إني أشهدك أني زوجت ولدي من هذه الجارية ببذل مهجته في سبيلك وترك العود في الذنوب فتقبله مني يا أرحم الراحمين. قال: ثم انصرفت فجاءت بعشرة آلاف دينار وقالت: يا أبا عبيد! هذا مهر الجارية تجهز به وجهز الغزاة في سبيل الله، وانصرفت فابتاعت لولدها فرسًا جيدًا، واستجاءت له سلاحًا، فلما خرج عبد الواحد خرج إبراهيم يعدو والقراء حوله يقرؤون (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) .
قال: فلما أرادت فراق ولدها دفعت إليه كفنًا وحنوطًا وقالت له: أي بني إذا أردت لقاء العدو فتكفن بهذا الكفن وتحنط بهذه الحنوط، وإياك أن يراك الله مقصرًا في سبيله، ثم ضمته إلى صدرها وقبَّلت بين عينيه وقالت: يا بني! لا جمع الله بيني وبينك إلا بين يديه في عرضات القيامة. قال عبد الواحد: فلما بلغنا بلاد العدو، ونودي في النفير، وبرز الناس للقتال برز إبراهيم في المقدمة فقتل من العدو خلقًا كثيرًا ثم اجتمعوا عليه فقًُتل، قال عبد الواحد: فلما أردنا الرجوع إلى البصرة قلت لأصحابي: لا تخيروا أم إبراهيم بخبر ولدها حتى ألقاها بحسن العزاء لئلا تجزع فيذهب أجرها. قال: فلما وصلنا البصرة خرج الناس يتلقوننا، وخرجت أم إبراهيم فيمن خرج، قال عبد الواحد: فلما بصرت به قالت: يا أبا عبيد هل قُبلت مني هديتي فأمنًا، أم رُدت علي فأعزى؟ فقلت لها: قد قبلت والله هديتك، إن إبراهيم حي مع الأحياء يرزق. قال: فخَرَّتْ ساجدة لله شكرًا وقالت الحمد لله الذي لم يخيب ظني وتقبل نسكي مني وانصرفت، فلما كان من الغد أتت إلى مسجد عبد الواحد فنادته: السلام عليك يا أبا