فقاتلوا أولياء الشيطان , إن كيد الشيطان كان ضعيفًا.
وهكذا يقف المسلمون على أرض صلبة , مسندين ظهورهم إلى ركن شديد. مقتنعي الوجدان بأنهم يخوضون معركة لله , ليس لأنفسهم منها نصيب , ولا لذواتهم منها حظ. وليست لقومهم , ولا لجنسهم , ولا لقرابتهم وعشيرتهم منها شيء. .
إنما هي لله وحده , ولمنهجه وشريعته. وأنهم يواجهون قوما أهل باطل ; يقاتلون لتغليب الباطل على الحق. لأنهم يقاتلون لتغليب مناهج البشر الجاهلية - وكل مناهج البشر جاهلية - على شريعة منهج الله ; ولتغليب شرائع البشر الجاهلية - وكل شرائع البشر جاهلية - على الله ; ولتغليب ظلم البشر - وكل حكم للبشر من دون الله ظلم - على عدل الله , الذي هم مأمورون أن يحكموا به بين الناس. .
كذلك يخوضون المعركة , وهم يوقنون أن الله وليهم فيها. وأنهم يواجهون قوما , الشيطان وليهم فهم إذن ضعاف. .
إن كيد الشيطان كان ضعيفا. .
ومن هنا يتقرر مصير المعركة في حس المؤمنين , وتتحدد نهايتها. قبل أن يدخلوها. وسواء بعد ذلك استشهد المؤمن في المعركة - فهو واثق من النتيجة - أم بقي حتى غلب , ورأى بعينيه النصر ; فهو واثق من الأجر العظيم.
من هذا التصور الحقيقي للأمر في كلتا حالتيه , انبثقت تلك الخوارق الكثيرة التي حفظها تاريخ الجهاد في سبيل الله في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; والتي تناثرت على مدى التاريخ في أجيال كثيرة. وما بنا أن نضرب لها هنا الأمثال ; فهي كثيرة مشهورة. .
ومن هذا التصور كان ذلك المد الإسلامي العجيب , في أقصر فترة عرفت في التاريخ ; فقد كان هذا التصور جانبا من جوانب التفوق الذي حققه المنهج الرباني للجماعة المسلمة , على المعسكرات المعادية. . ذلك التفوق الذي أشرنا إليه من قبل في هذا الجزء. وبناء هذا التصور ذاته كان طرفا من المعركة الكلية الشاملة التي خاضها القرآن في نفوس المؤمنين , وهو يخوض بهم المعركة مع أعدائهم المتفوقين في العدد والعدة والمال ; ولكنهم في هذا الجانب كانوا متخلفين ; فأمسوا مهزومين!
وها نحن أولاء نرى الجهد الذي بذله المنهج في إنشاء هذا التصور وتثبيته. فلم يكن الأمر هينا. ولم يكن مجرد كلمة تقال. ولكنه كان جهدا موصولا , لمعالجة شح النفس , وحرصها على الحياة - بأي ثمن - وسوء التصور لحقيقة الربح والخسارة. . (الظلال)