فهرس الكتاب
ففي صحيح مسلم (140) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَالَ قَاتِلْهُ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَالَ فَأَنْتَ شَهِيدٌ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ هُوَ فِي النَّارِ
قال الإمام النووي رحمه الله:
ففيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلا أو كثيرا لعموم الحديث. وهذا قول لجماهير العلماء. وقال بعض أصحاب مالك لا يجوز قتله إذا طلب شيئا يسيرا كالثوب والطعام وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير. وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف. وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف في مذهبنا ومذهب غيرنا والمدافعة عن المال جائزة غير واجبة والله أعلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا تعطه) فمعناه لا يلزمك أن تعطيه وليس المراد تحريم الإعطاء وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الصائل إذا قتل: هو في النار فمعناه أنه يستحق ذلك. وقد يجازى وقد يعفى عنه إلا أن يكون مستحلا لذلك بغير تأويل فإنه يكفر , ولا يعفى عنه. والله أعلم.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى شُرُوطٍ يَلْزَمُ تَوَافُرُهَا لِجَوَازِ الِاسْتِئْسَارِ هِيَ: أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِسْلَامِ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ , وَأَلَّا يَكُونَ الْمُسْتَسْلِمُ إمَامًا , أَوْ عِنْدَهُ مِنْ الشُّجَاعَةِ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الصُّمُودِ , وَأَنْ تَأْمَنَ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا الْفَاحِشَةَ. وَالْأَوْلَى - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ - إذَا مَا خَشِيَ الْمُسْلِمُ الْوُقُوعَ فِي الْأَسْرِ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ , وَلَا يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ , لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ , وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ , وَإِنْ اسْتَأْسَرَ جَازَ , لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّائِلُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا , عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا , بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا , مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ , آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَالِاسْتِسْلَامُ لِلصَّائِلِ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ لِلتَّهْلُكَةِ , لِذَا كَانَ الدِّفَاعُ عَنْهَا وَاجِبًا. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - يُرِيدُ قَتْلَهُ - فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ} . وَلِأَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ , يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا , وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ , فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ , كَالْمُضْطَرِّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا.