فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 1150

يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَهْدٌ وَمُوَادَعَةٌ، فَجَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ - زَعيمُ يَهُودِ بَني النَّضِيرِ - وَكَانَ مَعَ قَوْمِهِ مَعَ الأحْزاب، - إٍِلى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَمُشَارَكَةِ الأَحْزَابِ فِي مُحَارَبَةِ المُسْلِميِنَ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمينَ. وَلَمَّا هَزَمَ الله الأَحْزَابَ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَسيرَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُعاقِبَهُمْ عَلَى غَدْرِهِمْ، وَنَقْضِهِمْ العَهْدَ. وَبَعْدَ حَرْبٍ دَامَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا اضْطَرُّوا إِلى النُّزُولِ على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَاسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اللهِ - وَكَانَ فِي المَدِينةِ يَشْتَكِي مِنْ جُرْحٍ أَصَابَهُ - فَحَكَمْ سَعْدٌ بِأَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالأَمْوالُ.

وَلِذَلكَ قَالَ اللهُ تَعَالى: إِنَّهُ قَذَفَ فِي قُلُوبِ بَنِي قُرَيْظَةَ الرُّعْبَ (الذِينَ ظَاهَرُوا الأحْزَابَ مِنْ أَهلِ الكِتَابِ) ، وَأْنْزَلَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ (صَيَاصِيهِمْ) عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فَقَتَلَ المُسْلِمُونَ فَرِيقًا، وَأَسَرُوا فَرِيقًا.

وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤمِنينَ أَرْضَ بَني قُرَيَْةَ، وَنَخِيلَهُمْ، وَمَزارِعَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَمَوَاشِيَهُمْ، وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤْمنينَ الأَرَاضيَ التي فَتَحُوها فِيما بَعْدُ، مِنْ أَراضي اليَهودِ والمُشْرِكِينَ وَغَيرِهم، في الجَزِيرةِ العَرَبيَّةِ وَخَارِجِها، وَهِيَ أراضٍ لَمْ يَسْبَقْ لِلمْؤمِنينَ أَنْ وطِئَتْها أَقْدَامُهُمْ مِنْ قبلُ، واللهُ تَعَالى قَادِرٌ عَلى ذَلِكَ، فَلا يَتَعَذَّرُ عَليهِ شيءٌ. [1]

سادسًا- نهاية هذا الطاغية الصنم وشيكة بإذن الله تعالى:

نعم إن نهايته وشيكة بإذن الله حتى لو كان العالم كله معه، فالله تعالى لن ينصر الباطل على الحق، قال تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) } [النمل]

كذلك دبروا. وكذلك مكروا .. ولكن الله كان بالمرصاد يراهم ولا يرونه، ويعلم تدبيرهم ويطلع على مكرهم وهم لا يشعرون: «وَمَكَرُوا مَكْرًا، وَمَكَرْنا مَكْرًا. وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» ..

وأين مكر من مكر؟ وأين تدبير من تدبير؟ وأين قوة من قوة؟

وكم ذا يخطىء الجبارون وينخدعون بما يملكون من قوة ومن حيلة، ويغفلون عن العين التي ترى ولا تغفل، والقوة التي تملك الأمر كله وتباغتهم من حيث لا يشعرون: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ. أَنَّا

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3439، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت