وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي طَلَبَ مِنْ وَالِدِهِ الْحَجَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَطُوفَ بِنَفْسِ الْأَبِ فَقَالَ: طُفْ بِبَيْتِ مَا فَارَقَهُ اللَّهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ )": فَهَذَا كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَأَمَّا الطَّوَافُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَمَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ دِينًا فَهُوَ كَافِرٌ سَوَاءٌ طَافَ بِبَدَنِهِ أَوْ بِقَبْرِهِ . وَقَوْلُهُ:"مَا فَارَقَهُ اللَّهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ": إنْ أَرَادَ بِهِ الْحُلُولَ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ فَهُوَ مَعَ بُطْلَانِهِ مُتَنَاقِضٌ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الطَّائِفِ وَالْمَطُوفِ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ طَوَافٌ هَذَا بِهَذَا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ ؛ بَلْ هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ يُطَافُ بِالْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ وَالْكُفَّارِ وَالنَّجَاسَاتِ وَالْأَقْذَارِ وَكُلِّ خَبِيثٍ وَكُلِّ مَلْعُونٍ ؛ لِأَنَّ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ الْعَامَّ يَتَنَاوَلُ هَذَا كُلَّهُ . وَقَدْ قَالَ مَرَّةً شَيْخُهُمْ الشِّيرَازِيُّ لِشَيْخِهِ التلمساني وَقَدْ مَرَّ بِكَلْبِ أَجْرَبَ مَيِّتٍ: هَذَا أَيْضًا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: وَثَمَّ خَارِجٌ عَنْهُ ؟ وَمَرَّ التلمساني وَمَعَهُ شَخْصٌ بِكَلْبِ فَرَكَضَهُ الْآخَرُ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: لَا تَرْكُضْهُ فَإِنَّهُ مِنْهُ وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ الْبَاطِلِ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ: فَإِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ فَإِنَّ الرَّاكِضَ وَالْمَرْكُوضَ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ النَّاهِي وَالْمَنْهِيُّ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِأَوْلَى بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ شَيْءٍ وَلَا يُعْقَلُ مَعَ الْوَحْدَةِ تَعَدُّدٌ وَإِذَا قِيلَ مَظَاهِرُ وَمَجَالِي: قِيلَ إنْ كَانَ لَهَا وُجُودٌ غَيْرُ وُجُودِ الظَّاهِرِ وَالْمُتَجَلِّي فَقَدْ ثَبَتَ التَّعَدُّدُ وَبَطَلَتْ الْوَحْدَةُ ؛ وَإِنْ كَانَ وُجُودُ هَذَا هُوَ وُجُودُ هَذَا: لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْمُظْهِرِ وَالْمُتَجَلِّي فِيهِ فَرْقٌ . وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مَا فَارَقَهُ اللَّهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ الْحُلُولَ الْخَاصَّ - كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُلُولُ ثَابِتًا لَهُ مِنْ حِينِ خُلِقَ - كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ - فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حَاصِلًا لَهُ بِمَعْرِفَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَتَحْقِيقِهِ وَعِرْفَانِهِ . وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَلِمَاذَا يَكُونُ الْحُلُولُ ثَابِتًا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ ؟ وَهَذَا شَرٌّ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى ؛ فَإِنَّ النَّصَارَى ادَّعَوْا ذَلِكَ فِي الْمَسِيحِ لِكَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَهَؤُلَاءِ الشُّيُوخُ لَمْ يُفَضَّلُوا فِي نَفْسِ التَّخْلِيقِ وَإِنَّمَا فُضِّلُوا بِالْعِبَادَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ . وَهَذَا أَمْرٌ حَصَلَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ سَبَبُ الْحُلُولِ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُلُولُ فِيهِمْ حَادِثًا لَا مُقَارِنًا لِخَلْقِهِمْ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُمْ إنَّ الرَّبَّ مَا فَارَقَ أَبْدَانَهُمْ أَوْ قُلُوبَهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ - كَلَامٌ بَاطِلٌ كَيْفَمَا قُدِّرَ ."