فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 39

وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: وَجَدْت الْمَحَبَّةَ غَيْرَ الْمَقْصُودِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لِغَيْرِ وَغَيْرٌ مَا ثَمَّ وَوَجَدْت التَّوْحِيدَ غَيْرَ الْمَقْصُودِ ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ مَا يَكُونُ إلَّا مِنْ عَبْدٍ لِرَبِّ وَلَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ مَا رَأَوْا عَبْدًا وَلَا مَعْبُودًا: هُوَ كَلَامٌ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ وَالتَّنَاقُضِ مَا لَا يَخْفَى . فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ: أَثْبَتَتْ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَحَبَّتَهُمْ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } وَقَوْلِهِ: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } وَقَوْلِهِ: { أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } وَقَوْلِهِ: { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } { يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } { يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } { يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: { ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ } . وَقَدْ أَجْمَعَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى إثْبَاتِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ وَهَذَا أَصْلُ دِينِ الْخَلِيلِ إمَامِ الْحُنَفَاءِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ يَوْمَ الْأَضْحَى بِوَاسِطِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ: ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ . وَقَوْلُهُ: الْمَحَبَّةُ مَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لِغَيْرِ وَغَيْرٌ مَا ثَمَّ ) كَلَامٌ بَاطِلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ . فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لَيْسَ بِصَحِيحِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُحِبُّ نَفْسَهُ وَلَيْسَ غَيْرًا لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ وَقَوْلُهُ مَا ثَمَّ غَيْرٌ: بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ غَيْرُ الْخَالِقِ وَالْمُؤْمِنُونَ غَيْرُ اللَّهِ وَهُمْ يُحِبُّونَهُ فَالدَّعْوَى بَاطِلَةٌ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ مُقَدِّمَتَيْ الْحُجَّةِ بَاطِلَةٌ - قَوْلُهُ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ غَيْرٍ لِغَيْرِ وَقَوْلُهُ غَيْرٌ مَا ثَمَّ - فَإِنَّ الْغَيْرَ مَوْجُودٌ وَالْمَحَبَّةُ تَكُونُ مِنْ الْمُحِبِّ لِنَفْسِهِ وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ يُنَاقِضُهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَيَقُولُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: التَّوْحِيدُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ عَبْدٍ لِرَبِّ ) وَلَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ مَا رَأَوْا عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا: كِلَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلٌ فَإِنَّ التَّوْحِيدَ يَكُونُ مِنْ اللَّهِ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُوَحِّدُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ } وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ فَقَدْ وَحَّدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: { وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ } وَقَوْلِهِ: { وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ } وَقَوْلِهِ: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فَقَوْلُهُ إنَّ النَّاسَ لَوْ أَنْصَفُوا مَا رَأَوْا عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا - مَعَ أَنَّهُ غَايَةٌ فِي الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ - كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَابِدٌ وَلَا مَعْبُودٌ بَلْ الْكُلُّ وَاحِدٌ: فَمَنْ هُمْ الَّذِينَ لَا يُنْصِفُونَ ؟ إنْ كَانُوا هُمْ اللَّهُ ؟ فَيَكُونُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يُنْصِفُ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَ الْغَيْرُ ثُمَّ إذَا فَسَّرُوهُ عَلَى كُفْرِهِمْ وَقَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي لَا يُنْصِفُ وَهُوَ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَكْفُرُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِثْلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت