النَّاطِقُونَ: هُوَ التَّوْحِيدُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } وَقَالَ: { مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ } . لَكِنَّ التَّوْحِيدَ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ - وَهُوَ وَحْدَةُ الْوُجُودِ ) - أَمْرٌ مُمْتَنِعٌ فِي نَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّ الْوَحْدَةَ الْعَيْنِيَّةَ الشَّخْصِيَّةَ تَمْتَنِعُ فِي الشَّيْئَيْنِ الْمُتَعَدِّدَيْنِ وَلَكِنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ فِي نَوْعِ الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّ اسْمَ الْمَوْجُودِ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ أَحَدٍ كَمَا أَنَّ اسْمَ الْجِسْمِ وَالْإِنْسَانِ وَنَحْوِهِمَا: يَتَنَاوَلُ كُلَّ جِسْمٍ وَكُلَّ إنْسَانٍ وَهَذَا الْجِسْمُ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ وَهَذَا الْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ وَكَذَلِكَ هَذَا الْوُجُودُ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ . وَقَوْلُهُ: لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلَّا بِغَيْرِ يُقَالُ لَهُ ( أَوَّلًا التَّعْبِيرُ عَنْ التَّوْحِيدِ يَكُونُ بِالْكَلَامِ وَاَللَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ تَوْحِيدِهِ بِكَلَامِهِ فَكَلَامُ اللَّهِ وعلمه وَقُدْرَتُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ: لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ اللَّهُ وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْغَيْرِ: قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يُبَايِنُ غَيْرَهُ وَصِفَاتُ اللَّهِ لَا تُبَايِنُهُ وَيُرَادُ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ إيَّاهُ وَصِفَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ إيَّاهُ فَفِي أَحَدِ الِاصْطِلَاحَيْنِ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُهُ وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْآخَرِ لَا يُقَالُ إنَّهُ غَيْرٌ . فَلِهَذَا لَا يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا إلَّا مَقْرُونًا بِبَيَانِ الْمُرَادِ ؛ لِئَلَّا يَقُولَ الْمُبْتَدِعُ إذَا كَانَتْ صِفَةُ اللَّهِ غَيْرَهُ فَكُلُّ مَا كَانَ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ فَيَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ إلَى أَنْ يَجْعَلَ عِلْمَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ وَكَلَامَهُ: لَيْسَ هُوَ صِفَةً قَائِمَةً بِهِ ؛ بَلْ مَخْلُوقَةً فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ هَذَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ صِفَاتِ الْخَالِقِ وَجَحْدِ كَمَالِهِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِلْحَادِ وَهُوَ قَوْلُ الجهمية الَّذِينَ كَفَّرَهُمْ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ تَكْفِيرًا مُطْلَقًا ؛ وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ الْمُعَيَّنُ لَا يَكْفُرُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا . وَأَيْضًا فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوُجُودِ غَيْرُهُ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْخَلْقِ وَأَكْلُهُمْ وَشُرْبُهُمْ وَنِكَاحُهُمْ وَزِنَاهُمْ وَكُفْرُهُمْ وَشِرْكُهُمْ وَكُلُّ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْقَبَائِحِ: هُوَ نَفْسُ وُجُودِ اللَّهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ جَعَلَ هَذَا صِفَةً لِلَّهِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كُفْرًا وَضَلَالًا فَمَنْ قَالَ إنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ اللَّهِ: كَانَ أَكْفَرَ وَأَضَلَّ فَإِنَّ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضَ لَا تَكُونُ عَيْنَ الْمَوْجُودِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ وَأَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ كَابْنِ عَرَبِيٍّ يَقُولُ: - وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ فَيَجْعَلُونَ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ - مِنْ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - كَلَامًا لِلَّهِ . وَأَمَّا هَذَا الْمُلْحِدُ فَزَادَ عَلَى هَؤُلَاءِ فَجَعَلَ كَلَامَ الْخَلْقِ وَعِبَادَتَهُمْ نَفْسَ وُجُودِهِ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ كَلَامًا لَهُ بَلْ نَفَى أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامًا لَهُ لِئَلَّا يُثْبِتَ غَيْرًا لَهُ . وَقَدْ عُلِمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَبِالْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ: إثْبَاتُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ هُوَ اللَّهَ وَلَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ . وَلِهَذَا أَنْكَرَ اللَّهُ عَلَى مَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرٌ لَمَا صَحَّ الْإِنْكَارُ - قَالَ تَعَالَى: { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ } وَقَالَ تَعَالَى: { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } وَقَالَ تَعَالَى: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } وَقَالَ تَعَالَى: { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا } .