فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 39

وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ كَلَامٌ مُلْحِدٌ كَاذِبٌ وَضَعَهُ عَلَى الْمَسِيحِ وَهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْهُ مُسْلِمٌ وَلَا نَصْرَانِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يُوَافِقُ قَوْلَ النَّصَارَى فَإِنَّ قَوْلَهُ: إنَّ اللَّهَ اشْتَاقَ أَنْ يَرَى ذَاتَهُ الْمُقَدَّسَةَ فَخَلَقَ مِنْ نُورِهِ آدَمَ وَجَعَلَهُ كَالْمِرْآةِ يَنْظُرُ إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ فِيهَا وَإِنِّي أَنَا ذَلِكَ النُّورُ وَآدَمُ الْمِرْآةُ ): فَهَذَا الْكَلَامُ - مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ - مُتَنَاقِضٌ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَرَى نَفْسَهُ كَمَا يَسْمَعُ كَلَامَ نَفْسِهِ وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ: { إنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ } فَإِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ قَدْ يَرَى مَا خَلْفَهُ - وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ - فَالْخَالِقُ تَعَالَى كَيْفَ لَا يَرَى نَفْسَهُ ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ شَوْقَهُ إلَى رُؤْيَةِ نَفْسِهِ حَتَّى خَلَقَ آدَمَ: يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَزَلِ يَرَى نَفْسَهُ حَتَّى خَلَقَ آدَمَ . ثُمَّ ذَلِكَ الشَّوْقُ إنْ كَانَ قَدِيمًا: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي الْأَزَلِ وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا فَلَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الشَّوْقُ أَيْضًا صِفَةُ نَقْصٍ وَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ رُوِيَ: { طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إلَى لِقَائِي وَأَنَا إلَى لِقَائِهِمْ أَشْوَقُ } وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . وَقَوْلُهُ: فَخَلَقَ مِنْ نُورِهِ آدَمَ وَجَعَلَهُ كَالْمِرْآةِ وَأَنَا ذَلِكَ النُّورُ وَآدَمُ هُوَ الْمِرْآةُ - يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ آدَمَ مَخْلُوقًا مِنْ الْمَسِيحِ وَهَذَا نَقِيضُ الْوَاقِعِ فَإِنَّ آدَمَ خُلِقَ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحُ خُلِقَ مِنْ مَرْيَمَ وَمَرْيَمُ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ فَكَيْفَ يَكُونُ آدَمَ مَخْلُوقًا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ؟ . وَإِنْ قِيلَ: الْمَسِيحُ هُوَ نُورُ اللَّهِ فَهَذَا الْقَوْلُ - وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى - فَهُوَ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى فَإِنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إنَّ الْمَسِيحَ هُوَ النَّاسُوتُ وَاللَّاهُوتُ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ هِيَ جَوْهَرُ الِابْنِ وَهُمْ يَقُولُونَ: اتِّحَادُ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ مُتَجَدِّدٌ حِينَ خُلِقَ بَدَنُ الْمَسِيحِ لَا يَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ الْمَسِيحِ إذْ الْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ اسْمُ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ جَمِيعًا وَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُخْلَقَ مِنْهُ آدَمَ وَأَيْضًا فَهُمْ لَا يَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ لَاهُوتِ الْمَسِيحِ . وَأَيْضًا فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ نُورِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ ؛ إنْ أَرَادَ بِهِ نُورَهُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ: فَذَاكَ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ؛ إذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ صِفَةً لِغَيْرِهِ وَإِنْ أَرَادَ بِنُورِهِ مَا هُوَ نُورٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَوْجُودًا مُنْفَصِلًا قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ فَامْتَنَعَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ أَنْ يَكُونَ آدَمَ مَخْلُوقًا مِنْ نُورِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ . وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ آدَمَ كَالْمِرْآةِ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ فِيهَا: لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الظَّاهِرُ فِي آدَمَ هُوَ مِثَالُ ذَاتِهِ لَا أَنَّ آدَمَ هُوَ ذَاتُهُ وَلَا مِثَالَ ذَاتِهِ وَلَا كَذَاتِهِ . وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ آدَمَ يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى: فَيَرَى مِثَالَ ذَاتِهِ الْعِلْمِيَّ فِي آدَمَ . فَالرَّبُّ تَعَالَى يَعْرِفُ نَفْسَهُ فَكَانَ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ إذَا أَمْكَنَ رُؤْيَتَهُ كَانَتْ رُؤْيَتُهُ لِلْعِلْمِ الْمُطَابِقِ لَهُ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ أَوْلَى مِنْ رُؤْيَتِهِ لِلْعِلْمِ الْقَائِمِ بِآدَمَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ آدَمَ نَفْسَهُ مِثَالٌ لِلَّهِ: فَلَا يَكُونُ آدَمَ هُوَ الْمِرْآةُ ؛ بَلْ يَكُونُ هُوَ كَالْمِثَالِ الَّذِي فِي الْمِرْآةِ . وَأَيْضًا فَتَخْصِيصُ الْمَسِيحِ بِكَوْنِهِ ذَلِكَ النُّورَ: هُوَ قَوْلُ النَّصَارَى الَّذِينَ يَخُصُّونَهُ بِأَنَّهُ اللَّهُ أَوْ ابْنُ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ ضَمُّوا إلَى قَوْلِ النَّصَارَى

قَوْلَهُمْ بِعُمُومِ الِاتِّحَادِ حَيْثُ جَعَلُوا فِي غَيْرِ الْمَسِيحِ مِنْ جِنْسِ مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت