فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 39

وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: الْكَوْنُ يُنَادِيك أَمَا تَسْمَعُنِي مَنْ أَلَّفَ أَشْتَاتِي وَمَنْ فَرَّقَنِي ؟ اُنْظُرْ لِتَرَانِي مَنْظَرًا مُعْتَبِرًا مَا فِي سِوَى وُجُودِ مَنْ أَوْجَدَنِي فَهُوَ مِنْ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ وَأَقْوَالِهِمْ كُفْرٌ مُتَنَاقِضٌ بَاطِلٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا وُجُودُ مَنْ أَوْجَدَهُ: كَانَ ذَلِكَ الْوُجُودُ هُوَ الْكَوْنُ الْمُنَادِي وَهُوَ الْمُخَاطَبُ الْمُنَادَى وَهُوَ الْأَشْتَاتُ الْمُؤَلَّفَةُ الْمُفَرَّقَةُ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ الَّذِي قِيلَ لَهُ: اُنْظُرْ . وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْوُجُودُ الْوَاجِبُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ: قَدْ أَوْجَدَ نَفْسَهُ وَفَرَّقَهَا وَأَلَّفَهَا . فَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ مَفْعُولًا مَصْنُوعًا وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ خَالِقًا مَخْلُوقًا قَدِيمًا مُحْدِثًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ وَاجِبًا بِغَيْرِهِ فَإِنَّ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ . فَالْوَاجِبُ هُوَ الَّذِي لَا تَقْبَلُ ذَاتُهُ الْعَدَمَ وَالْمُمْكِنُ هُوَ الَّذِي تَقْبَلُ ذَاتُهُ الْعَدَمَ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ قَابِلًا لِلْعَدَمِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْعَدَمِ وَالْقَدِيمُ هُوَ الَّذِي لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ وَالْمُحْدَثُ هُوَ الَّذِي لَهُ أَوَّلُ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ قَدِيمًا مُحْدِثًا . وَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مُرَادَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ: لَأَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ: مَا فِي سِوَى الْوُجُودِ الَّذِي خَلَقَهُ مَنْ أَوْجَدَنِي: وَتَكُونُ إضَافَةُ الْوُجُودِ إلَى اللَّهِ ) إضَافَةَ الْمِلْكِ لَكِنْ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذَا وَلِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَإِنَّمَا يُرَادُ بِوُجُودِ اللَّهِ وُجُودُ ذَاتِهِ لَا وُجُودُ مَخْلُوقَاتِهِ وَهَكَذَا قَوْلُ الْقَائِلِ: - ذَاتُ وُجُودِ الْكَوْنِ لِلْخَلْقِ شُهُودُ أَنْ لَيْسَ لِمَوْجُودِ سِوَى الْحَقِّ وُجُودُ مُرَادُهُ بِهِ أَنَّ وُجُودَ الْكَوْنِ هُوَ نَفْسُ وُجُودِ الْحَقِّ ) وَهَذَا هُوَ قَوْل أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَإِلَّا فَلَوْ أَرَادَ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ مِنْ الْحَقِّ تَعَالَى - فَلَيْسَ لِشَيْءِ وُجُودٌ مِنْ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا وُجُودُهُ مِنْ رَبِّهِ وَالْأَشْيَاءُ بِاعْتِبَارِ أَنْفُسِهَا لَا تَسْتَحِقُّ سِوَى الْعَدَمِ وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا الْوُجُودُ مِنْ خَالِقِهَا وَبَارِئِهَا فَهِيَ دَائِمَةُ الِافْتِقَارِ إلَيْهِ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ لَحْظَةً لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ - لَكَانَ قَدْ أَرَادَ مَعْنًى صَحِيحًا وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين . وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِالْوَحْدَةِ: قَوْلُهُمْ مُتَنَاقِضٌ ؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ: الشَّيْءُ وَنَقِيضُهُ وَإِلَّا فَقَوْلُهُ: مِنْهُ وَإِلَّا عَلَاهُ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ يُنَاقِضُ الْوَحْدَةَ فَمَنْ هُوَ الْبَادِي وَالْعَائِدُ مِنْهُ وَإِلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت