فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 39

مَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِشَيْخِهِ: الْفَقِيرُ إذَا صَحَّ أَكَلَ بِاَللَّهِ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: الْفَقِيرُ إذَا صَحَّ أَكَلَ اللَّهُ . وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ شُيُوخِهِمْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجُوعُ وَيَعْطَشُ وَيَمْرَضُ وَيَبُولُ وَيَنْكِحُ وَيُنْكَحُ وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكَمَالُ عِنْدَهُمْ . كَمَا قَالَ فِي"الْفُصُوصِ": فَالْعَلِيُّ بِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الْكَمَالُ الَّذِي يَسْتَقْصِي بِهِ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنِّسَبِ الْعَدَمِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْمُودَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا أَوْ مَذْمُومَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمُسَمَّى اللَّهِ خَاصَّةً وَقَالَ: أَلَا تَرَى الْحَقَّ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَبِصِفَاتِ النَّقْصِ وَالذَّمِّ ؟ أَلَا تَرَى الْمَخْلُوقَ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ ؟ فَهِيَ كُلُّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا صِفَاتٌ لِلْعَبْدِ كَمَا أَنَّ صِفَاتِ الْعَبْدِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى . وَهَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ يَتَنَاقَضُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: فَأَنْتَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِك الَّذِي لَا تَرَى عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا نُعَامِلُك بِمُوجِبِ مَذْهَبِك فَتُضْرَبُ وَتُوجَعُ وَتُهَانُ وَتُصْفَعُ وَإِذَا تَظَلَّمَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَاشْتَكَى وَصَاحَ مِنْهُ وَبَكَى قِيلَ لَهُ: مَا ثَمَّ غَيْرٌ وَلَا عَابِدٌ وَلَا مَعْبُودٌ فَلَمْ يَفْعَلْ بِك هَذَا غيرك بَلْ الضَّارِبُ هُوَ الْمَضْرُوبُ وَالشَّاتِمُ هُوَ الْمَشْتُومُ وَالْعَابِدُ هُوَ الْمَعْبُودُ فَإِنْ قَالَ: تَظَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ وَاشْتَكَى مِنْ نَفْسِهِ قِيلَ لَهُ أَيْضًا: فَقُلْ عَبَدَ نَفْسَهُ فَإِذَا أَثْبَتَ ظَالِمًا وَمَظْلُومًا وَهُمَا وَاحِدٌ قِيلَ لَهُ: فَأَثْبَتَ عَابِدًا وَمَعْبُودًا وَهُمَا وَاحِدٌ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَذَا الَّذِي يَضْحَكُ وَيَضْرِبُ: هُوَ نَفْسُ الَّذِي يَبْكِي وَيَصِيحُ ؟ وَهَذَا الَّذِي شَبِعَ وَرَوِيَ: هُوَ نَفْسُ هَذَا الَّذِي جَاعَ وَعَطِشَ ؟ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ غَيْرُهُ أَثْبَتَ الْمُغَايَرَةَ وَإِذَا أَثْبَتَ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَبَيْنَ الْعَابِدِ وَالْمَعْبُودِ أَوْلَى وَأَحْرَى . وَإِنْ قَالَ: بَلْ هُوَ هُوَ - عُومِلَ مُعَامَلَةَ السوفسطائية فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَقْبَحِ السَّفْسَطَةِ . فَيُقَالُ: فَإِذَا كَانَ هُوَ هُوَ فَنَحْنُ نَضْرِبُك وَنَقْتُلُك وَالشَّيْءُ قَتَلَ نَفْسَهُ وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ . وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِالذُّنُوبِ فَيَقُولُ: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } لِكَوْنِ نَفْسِهِ أَمَرَتْهُ بِالسُّوءِ وَالنَّفْسُ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ لَكِنَّ جِهَةَ أَمْرِهَا لَيْسَتْ جِهَةَ فِعْلِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَوْعِ تَعَدُّدٍ ؛ إمَّا فِي الذَّاتِ وَإِمَّا فِي الصِّفَاتِ وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي ظَلَمَ ذَاكَ لَيْسَ هُوَ إيَّاهُ وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ . وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَخْلُوقِينَ: فَالْخَالِقُ أَعْظَمُ مُبَايَنَةً لِلْمَخْلُوقِينَ مِنْ هَذَا لِهَذَا . سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَلَوْلَا أَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ كَثُرُوا وَظَهَرُوا وَانْتَشَرُوا وَهُمْ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ سَادَاتُ الْأَنَامِ وَمَشَايِخُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالتَّحْقِيقِ . وَأَفْضَلُ أَهْلِ الطَّرِيقِ حَتَّى فَضَّلُوهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَكَابِرِ مَشَايِخِ الدِّينِ: لَمْ يَكُنْ بِنَا حَاجَةٌ إلَى بَيَانِ فَسَادِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَإِيضَاحِ هَذَا الضَّلَالِ . وَلَكِنْ يَعْلَمُ أَنَّ الضَّلَالَ لَا حَدَّ لَهُ وَأَنَّ الْعُقُولَ إذَا فَسَدَتْ: لَمْ يَبْقَ لِضَلَالِهَا حَدٌّ مَعْقُولٌ فَسُبْحَانَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ نَوْعِ الْإِنْسَانِ ؛ فَجَعَلَ مِنْهُ مَنْ هُوَ أَفْضَلَ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ مِنْهُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ الشَّيَاطِينِ وَلَكِنَّ تَشْبِيهَ هَؤُلَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ الْأَوْلِيَاءِ كَتَشْبِيهِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ بِسَيِّدِ أُولِي الْأَلْبَابِ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ جِهَادَ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ الدُّنْيَا وَالدِّينَ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: رَدُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَبَيَانُ الْهُدَى مِنْ الضَّلَالِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت