فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 39

هَؤُلَاءِ مِنْ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ: مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَهَذَا الْمَذْهَبُ شَائِعٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَانَ طَوَائِفُ مِنْ الجهمية يَقُولُونَ بِهِ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَبِيٍّ فِي فُصُوصِ الْحِكَمِ وَغَيْرِهِ وَكَلَامُ ابْنِ سَبْعِينَ وَصَاحِبِهِ الششتري وَقَصِيدَةِ ابْنِ الْفَارِضِ ( نُظُمُ السُّلُوكِ وَقَصِيدَةِ عَامِرٍ الْبَصْرِيِّ وَكَلَامِ الْعَفِيفِ التلمساني وَعَبْدِ اللَّهِ البلياني وَالصَّدْرِ القونوي وَكَثِيرٍ مِنْ شِعْرِ ابْنِ إسْرَائِيلَ وَمَا يَنْقُلُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ شَيْخِهِ الْحَرِيرِيِّ ؛ وَكَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْهُ يُوجَدُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ - مَذْهَبِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَوَحْدَةِ الْوُجُودِ - . وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّلُوكِ الَّذِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ هَذَا الْمَذْهَبَ: يَسْمَعُونَ شِعْرَ ابْنِ الْفَارِضِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّ مَقْصُودَهُ هَذَا الْمَذْهَبَ فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالضَّلَالِ مَا حَيَّرَ كَثِيرًا مِنْ الرِّجَالِ . وَأَصْلُ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مُبَايَنَةَ اللَّهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ وَعُلُوَّهُ عَلَيْهَا وَعَلِمُوا أَنَّهُ مَوْجُودٌ فَظَنُّوا أَنَّ وُجُودَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ وُجُودِهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَأَى شُعَاعَ الشَّمْسِ فَظَنَّ أَنَّهُ الشَّمْسُ نَفْسُهَا . وَلَمَّا ظَهَرَتْ الجهمية - الْمُنْكِرَةُ لِمُبَايَنَةِ اللَّهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ - افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: - فَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَكَمَا عُلِمَ الْمُبَايَنَةُ وَالْعُلُوُّ بِالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ الْمُوَافِقِ لِلْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَكَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ خَلْقَهُ ؛ مِنْ إقْرَارِهِمْ بِهِ وَقَصْدِهِمْ إيَّاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) قَوْلُ مُعَطِّلَةِ الجهمية وَنُفَتْهُمْ وَهُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ . لَا هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا مُبَايِنَ لَهُ وَلَا محايث لَهُ ؛ فَيَنْفُونَ الْوَصْفَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَخْلُو مَوْجُودٌ عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ . ( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) قَوْلُ حُلُولِيَّةِ الجهمية الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ النجارية - أَتْبَاعُ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ - وَغَيْرُهُمْ مِنْ الجهمية وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ: مَنْ جِنْسِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ الْحُلُولَ أَغْلَبُ عَلَى عُبَّادِ الجهمية وَصُوفِيَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ وَالنَّفْيُ وَالتَّعْطِيلُ أَغْلَبُ عَلَى نُظَّارِهِمْ وَمُتَكَلِّمِيهِمْ كَمَا قِيلَ: مُتَكَلِّمَةُ الجهمية لَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا وَمُتَصَوِّفَةُ الجهمية يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَتَضَمَّنُ الطَّلَبَ وَالْقَصْدَ وَالْإِرَادَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومِ فَإِنَّ الْقَلْبَ يَطْلُبُ مَوْجُودًا فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ: طَلَبَ مَا هُوَ فِيهِ . وَأَمَّا الْكَلَامُ وَالْعِلْمُ وَالنَّظَرُ: فَيَتَعَلَّقُ بِمَوْجُودِ وَمَعْدُومٍ فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ يَصِفُونَ الرَّبَّ بِصِفَاتِ السَّلْبِ وَالنَّفْيِ - الَّتِي لَا يُوصَفُ بِهَا إلَّا الْمَعْدُومُ - لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ يُنَافِي عَدَمَ الْمَعْبُودِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يُنَافِي عَدَمَ الْمَعْبُودِ . وَلِهَذَا تَجِدُ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ - عِنْدَ نَظَرِهِ وَبَحْثِهِ - يَمِيلُ إلَى النَّفْيِ وَعِنْدَ عِبَادَتِهِ وَتَصَوُّفِهِ يَمِيلُ إلَى الْحُلُولِ ؛ وَإِذَا قِيلَ لَهُ هَذَا يُنَافِي ذَلِكَ قَالَ: هَذَا مُقْتَضًى عَقْلِيٌّ وَنَظَرِيٌّ وَذَاكَ مُقْتَضًى ذَوْقِيٌّ ومعرفتي وَمَعْلُومٌ أَنَّ الذَّوْقَ وَالْوَجْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِلْعَقْلِ وَالنَّظَرِ وَإِلَّا لَزِمَ فَسَادُهُمَا أَوْ فَسَادُ أَحَدِهِمَا . ( وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ ) قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَالَمِ وَهُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت