الصفحة 60 من 283

وبالإضافة لذلك الأصل إلا أن الفتوحات الإسلامية أيضا كانت سببا في إيقاد جمرة الحقد الدفين لدى النصارى واليهود تجاه المسلمين، ولأن الإسلام ساعد على تحرير العقل الأوروبي من الخرافات الكهنوتية [1] فقد أدى ذلك إلى تراجع سلطان الكنيسة خاصة بعد أن تعالت صيحات التحرر منها [2] ، فقامت بشن حملة فكرية سعت من خلالها إلى تشويه صورة الإسلام، ورسخت ذلك ببث الأفكار العدائية وجعْلها من صلب العقائد المسيحية، مما ضاعف من كراهيتهم للمسلمين، فتنادت الدول النصرانية إلى التكتل ضد العالم الإسلامي، مستغلة في ذلك خصوصيةَ المرحلة التي كانت تمر بها الأمة (التمزق الداخلي) ، فتشكل حلفا نصرانيا تدعمه كل الكنائس الغربية، وتوجهوا لغزو العالم الإسلامي.

ففي سنة 489 هـ (1095 م) جمع البابا"أوربان الثاني"في فرنسا جمعا غفيرا من رجال الدين، ودعا إلى حرب صليبية على العالم الإسلامي، فوصلوا إلى بلاد المسلمين، وصبّوا جام غضبهم عليها فأهلكوا الزرع والضرع، وأحرقوا الأخضر واليابس، وقتلوا ومثّلوا وانتهكوا الحرمات، إلى أن تدخلت دولة السلاجقة (الإسلامية) وصدت هذا الهجوم الهمجي، فأفشلت هذه الحملةَ ومنعتها من تحقيق أهدافها.

وتلتها حملة أخرى بعد أعوام، حيث دخلوا أنطاكية سنة 491 هـ، ثم اتجهوا بعدها نحو القدس ودخلوها سنة 492 هـ (1099 م) ، ثم حيفا سنة 494 هـ، وعكا سنة 497 هـ، وطرابلس وجبلة سنة 503 هـ، ثم أخذوا صيدا سنة 504. وقد كان لدولة العبيديين الشيعية (الفاطميين)

الأثر الكبير في التمهيد لهذه الحملة، لأنهم هم الذين استعانوا بالصليبيين على دولة السلاجقة، وتحالفوا معهم على الإطاحة بها على أساس أن يتقاسموا حكم الشام بعدها. [3]

(1) فقد قتل ثلاثمائة ألف, منهم 23 ألفا حرقا وهم أحياء في الصراع بين الكنيسة والعلم.

(2) يقول الراهب الفرنسي كارول سبيتس ناجل (الذي يصدر مجلة الانفتاح) : لا يمكن للغرب أن يبقى أصم أمام الوحي الذي نزل على النبي محمد ولا أعمى أمام حقيقة الإسلام ولا مغلقا أمام العالم الإسلامي. وأن الوحي امتد من إبراهيم إلى محمد ... أريد أن يكتشف الجمهور الأوربي الإسلام.

(3) (لم يكد الصليبيون يحلون بإقليم أنطاكية حتى أسرع الوزير الفاطمي الرافضي"الأفضل شاهنشاه"حاكم مصر الفعلي حينئذ(489هـ) إلى بذل كل جهد ممكن لعقد تحالف بين الفاطميين"الشيعة"والصليبيين ضد العدو المشترك للطرفين (الأتراك السلاجقة) ، ووصلت رسل الأفضل إلى الصليبيين أمام أنطاكية أثناء حصارهم لها في أوائل سنة (492هـ) ، وكان العرض الذي تقدم به"الأفضل"للصليبيين واضحًا خلاصته أن يتعاون الطرفان في القضاء على السلاجقة، ثم تقسم الغنيمة بعد ذلك بينهما بحيث يكون القسم الشمالي (سوريا) للصليبيين، والقسم الجنوبي (فلسطين) للفاطميين, وتوجه الوزير"الأفضل"إلى بيت المقدس وقام بهجوم كاسح وحاصر المدينة أكثر من أربعين يومًا ونصب عليها ما يربو على أربعين منجنيقًا وضربها بعنف .. ومن جهة أخرى بدأ الصليبيون يستولون على المدن الساحلية الواحدة بعد الأخرى دون مقاومة، ثم على بيت المقدس سنة 493هـ، واقتحموا المسجد وأحدثوا بداخله مذبحة وحشية أنظر: (الكامل لابن الأثير، حوادث سنة 492هـ) .وكتاب:"الحركة الصليبية"للدكتور سعيد عاشور, وكذا كتاب:"الحروب الصليبية"لمحمد العمروسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت