الصفحة 80 من 106

والمقصود من كل ذلك أن يكون الحوار بريئًا من التعصّب خالصًا لطلب الحق ، خاليًا من العنف والانفعال ، بعيدًا عن المشاحنات الأنانية والمغالطات البيانيّة ، مما يفسد القلوب ، ويهيج النفوس ، ويُولد النَّفرة ، ويُوغر الصدور ، وينتهي إلى القطيعة .

ولهذا قيل:"حُبكَ الشيء يعْمِي وَيُصِمُّ"، إن المتعصب أعمى، لا يعرف أعلى الوادي من أسفله، ولا يستطيع أن يميز الحق من الباطل، وقد يتحول المتعصب بنفس الحرارة ونفس القوة من محب إلى مبغض؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما في سنن الترمذي، ويروى مرفوعًا، والموقوف أصح: [ أَحبِب حَبِيبَكَ هَوْنًا ما ، عَسَى أَنْ يَكُونَ بغيضك يومًا ما ، وَأَبْغضْ بغيضك هَونا ما عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يومًا مَا] (1) .

وقد يكون الغلو أحيانًا، أو المبالغة، أو التعصب لأقوام؛ هم أشد ما يكونون بعدًا عن ذلك وكراهية له، ولكنهم قد يُبتلون بمن يتعصب لهم أو يغلو فيهم، فهذا الإمام محمد بن يحيى النيسابوري أخذه الحزن على الإمام أحمد لما مات في بغداد؛ فقال حقٌ على أهل كل بيت في بغداد أن يقيموا مناحة على موت الإمام أحمد؛ فقال الذهبي -رحمه الله-: إن النيسابوري تكلم بمقتضى الحزن، لا بمقتضى الشرع، وإلا فإن النياحة منهيٌ عنها في الشريعة.

وقال بعضهم: في خُراسان يظنون أن الإمام أحمد من الملائكة، ليس من البشر.

وقال آخر: نظرة عندنا من أحمد تعدل عبادة سنة.

قال الذهبي: هذا غلو لا ينبغي.

وقال محمد بن مصعب لسوط ضربه أحمد أكرم من أيام بشر الحافي كلها؛ فقال الذهبي -رحمه الله- بشر عظيم القدر كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما هو عند الله تعالى والله أعلم بذلك.

لقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- رجلًا متواضعًا، بعيدًا عن التكلف، ولكنَّ هذه الأشياء قد تخرج من أقوام في حالة انفعال في حزن أو غيره، وبكل حال فهي أقوال مرذولة ينبغي اطراحها والرد عليها وإنكارها، كما فعل الذهبي وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت