لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا وعشرين سنة قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالًا في عيرانها؛ فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك. وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له؛ فأرسلت إليه في ذلك وقالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلًا من قومك. قال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك. فخرج مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدما بصرى من الشام، فنزلا في ظل شجرةٍ؛ فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبيٌ. ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرةٌ؟ قال: نعم، لا تفارقه. قال: هو نبيٌ، وهو آخر الأنبياء. ثم باع سلعته فوقع بينه وبين رجل تلاحٍ؛ فقال له: احلف باللات والعزى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حلفت بهم قط، وإني لأمر فأعرض عنهما. فقال الرجل: القول قولك. ثم قال لميسرة: هذا والله نبيٌ تجده أحبارنا منعوتًا في كتبهم، وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس، فوعى ذلك كله وكان الله قد ألقى عليه المحبة من ميسرة؛ فكان كأنه عبدٌ له، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران؛ قال ميسرة: يا محمد! انطلق إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك؛ فإنها تعرف لك ذلك. فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية لها، فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره وملكان يظلان