الولي على النبي من الفلاسفة، والفلاسفة ـ كما ذكرت لك في الدرس الماضي ـ قالوا إن الفيلسوف وصل إلى الحكمة بجهده، وأما النبي فوصل إليها بإعطاء، ومعلوم أن المجتهد أفضل من المعطى، وهؤلاء نظروا إلى جهة العمل؛ لأن الحكمة والفضل يرجع إلى جهتين: إلى قوة علمية، وإلى قوة عملية. فالفلاسفة فضلوا من الجهة العلمية، فضلوا الفلاسفة والحكماء على الأنبياء من الجهة العلمية، والصوفية وغلاة المتصوفة فضلوا الأولياء على الأنبياء من الجهة العملية، التي أساسها الجهة العلمية.
لكن طابع الفلاسفة غير طابع المتصوفة، طابع الفلاسفة شئ، والمتصوفة شئ آخر، سبب هذا التفضيل راجع إلى ما وصف لك سيخ الإسلام من أصول أقوال الفلاسفة، من فلاسفة اليونان أصلا، والقول بوجودات مجردة وكليات مجردة وتصرفات للكواكب، أو تصرفات للعلل التي تنتج المعلولات، وأن إدراك هذه الحقائق الكلية وتأثيراتها في هذا الكون هو حقيقة الحكمة والعلم الذي يتفاضل به الناس، فالقوة مختلفة، فالقوة العلمية والعملية هذه هي أقوى الإدراكات، وكذلك القوة التخيلية التي بها يُتخيل الأمر، فرجعوا بالنبوات إلى أنها اجتماع قوة علمية وعملية وتخيلية؛ فلهذا قالوا: نحن نقول ما نقول عن برهان، وأما الأنبياء والرسل، فقالوا ما قالوا عن تخيل والبرهان، الذي أقاموه برهان خطابي، لا برهان عقلي، فإن ما جاء في النبوات من ذكر الجنة والنار وذكر الغيبيات عندهم خطابية والعقليات المجردة وتصور أمثلة
مجردة عن الواقع.