والمعاصي، يقولون: العبد يشهد أولا طاعة ومعصية، ثم يشهد طاعة بلا معصية، ثم يشهد طاعة ولا معصية، فعندهم أن الناس مرتبون على ذلك، فأقل درجات الناس الذين يشهدون الطاعات والمعاصي، ثم يطيع ولا يرى المعصية، يعني سقطت عنه التكاليف كلها، لا في الطاعات ولا في المعاصي، لعدم تأثير الطاعة فيه إيمانا ولعدم تأثير المعصية فيه جحدا أو كفرانا.
وكما هو معلوم من كلام شيخ الإسلام ـ فيما سمعت ـ أن الأول هذا لا شك أنه هو الذي أمر به العباد، أن يشهدوا الطاعة والمعصية، وأن تسر العبد طاعته، وأن تسوءه معصيته، هذا هو حال الأنبياء والمرسلين، وحال أولياء الله جل وعلا، أما شهود الطاعة بلا معصية، أو لا شهود طاعة ولا معصية، هذا عند الصوفية له منشأ. ومنشأ الغلو في إثبات المشيئة الكونية القدرية، وعدم النظر في المشيئة الكونية والإرادة الشرعية، وذلك أن النصوص ـ كما هو معلوم لكم ـ في غير هذا الموضع قررت الفرق ما بين ما يشاءه الله جل وعلا كونا وما بين ما يريده شرعا.
فالعبد ينظر بنظرين:
ينظر إلى ما ينفذه الله جل وعلا في ملكوته كونا، وأنه واقع بمشيئة الله جل
وعلا، الطاعة والمعصية جميعا، كما هو قول أهل الحق في القدر، وأن الطاعة كانت بمشيئة الله، والمعصية كذلك كانت بمشيئة الله، أما الشرع فنقول الإرادة الشرعية أن تفعل الطاعة ولا تفعل المعصية، فإذا غلب على العبد شهود الأمر الكوني نظر إلى أن العباد مجبرون على الطاعات وعلى المعاصي، فيثبت أن الله جل وعلا أجبر العباد، ولذلك الصوفية كلهم جبرية