ومنهم من يغلو في الجبر حتى يرى أن الإنسان لا منزلة له لشهود الإرادة الكونية، ومنهم من يرى الطاعة دون المعصية في شهود الأمر الكوني، يعني أن المعصية إنما وقعت لأجل الطاعة، يعني من جهة التوبة ومن جهة الإنابة وأشباه ذلك، فإنما يرى طاعة بلا معصية لحصول المعصية بحكمة الله جل وعلا، فيرى إذًا أمر الله جل وعلا الكوني الخاص بالطاعات دون المعاصي؛ لأن المعاصي غير مقصودة لذاتها، الله أجبر على المعصية عندهم ولكن لأجل الطاعة، هذا إذا نظر فيه المكلف منهم يقول: أنا أطيع وأن عصيت فلأجل طاعتي، ما عصيت إلا لأجل أن أطيع , فهو يرى أن المعصية يرتكبها ويرضى أن يكون عاصيا لرضائه بإرادة الله الكونية.
والثالث: وهو قول ملاحدتهم، أنه لا يشهد طاعة ولا معصية غني عن شهود سوى الله جل وعلا، فلا الطاعات لها أثر ولا المعاصي لها أثر، وإنما الأثر فيما حصل، لهذا الذي يزعم الوحدة في اتحاده بالله جل وعلا، أو حلول الله جل وعلا فيه، مثل ما سمعت من كلام ابن الفارض، وهذا كله استطراد من شيخ الإسلام في الرد على من يزعم أنه من الأولياء وهو يفضل الأولياء على الأنبياء، أو أنه لا يشهد طاعة ولا معصية، أو لا يشهد معصية وإنما يشهد طاعة.
كل هذه ليست من صفات أولياء، فأولياء الله صفتهم أنهم أهل فرقان {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} وأهل التقوى هم أهل الإيمان وهم الأولياء {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} فحصل من ذلك أن أهل التقوى هم أهل ولاية الله جل وعلا , وأهل تقوى الله هم الذين لديهم الفرقان. ولذلك سمى شيخ الإسلام كتابه هذا الفرقان بين أولياء