سبب استطراد شيخ الإسلام في مثل هذه الأمثلة، هو أن يعلم القارئ الذي يقرأ كتابه أنه محيط بأحوال القوم حتى لا يقول قائل: أنت تتكلم عنهم، وأنت لا تعرفهم، فذكر كل الأصناف، الأصناف جميعا التي يحصل لهم الخوارق وتخدمهم الشياطين بأصناف ما يحصل لهم، مثل الأشربة، الأطعمة، والطيران في الهواء، وفي الماء، وفي الإخبار بالمغيبات، وفي النطق عند القبور، وفي التمثيل بالأشخاص، كل هذه حصلت للناس، ويمثل بها حتى يجمع معرفة واقع الناس، وما بين تقرير الأحكام الشرعية.
حتى يكون أعظم في الحجة، ذكر شيخ الإسلام في بعض كتبه ـ لا أدري هل ذكرها هنا أم لا؟ ـ أن الشيطان قد تمثل في صورته، يقول: وقعت مرة بطائفة من أصحابي، ضائقة وكرب، قالوا: فرأينا صورتك، فرأيناك ـ يعني عندنا ـ فاستغثنا بك، فأتيت وخلصتنا من العدو، فلما أخبروه لما قدموا دمشق، قال: لم آتي إنما ذاك شيطان تصور بصورتي ليغويكم، فاحذروا، أو كما قال رحمه الله تعالى: فالشيطان بشهادة الثقات الجمع من أصحابه تمثل بصورته، ولذلك هو عند شيخ الإسلام هذا يقيني؛ لأنه شهد به الثقات، وهو يعلم بيقين من نفسه أنه ما تعدى دمشق، كيف هؤلاء يقولون: حصل كيت وكيت، وأنت جئت وخلصتنا، لا شك أن هذا من الشيطان، لذاك يتكلم بأشياء مبنية على محسوس، المبني على محسوس لا يكذب. أ هـ.
ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله، كان عمار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية، وكان أهل الشرك والبدع يعظمون القبور ومشاهد الموتى، فيدعون الميت أو يدعون به، أو يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب ـ أقرب إلى الأحوال الشيطانية.