ما كلُّ مَنْ نطقوا الحروفَ أبانوا ... فلقد يَذوبُ بما يقولُ لسانُ
لغة الوفاءِ شريفةٌ كلماتُها ... فيها عن الحبِّ الأصيلِ بَيانُ
يسمو بها صدقُ الشعور إلى الذُّرا ... ويزُفُّ عِطْرَ حروفها الوجدانُ
لغةٌ تَرَقْرَقَ في النفوس جمالُها ... وتألَّقتْ بجلالها الأَذهانُ
يجري بها شعري إليكم مثلما ... يجري إلى المتفضِّل العِرْفانُ
لغةُ الوفاء، ومَنْ يجيد حروفَها ... إلا الخبير الحاذق الفنَّانُ؟
أرسلتُها شعرًا يُحاط بموكبٍ ... من لهفتي، وتزفُّه الألحانُ
ويزفُّه صدقُ الشعور وإِنَّما ... بالصدق يرفع نفسَه الإِنسانُ
أرسلتُ شعري والسَّفينةُ لم تزلْ ... في البحر، حار بأمرها الرُّبَّانُ
والقدس أرملةٌ يلفِّعها الأسى ... وتُميت بهجةَ قلبها الأحزانُ
شلاَّلُ أَدْمُعِها على دفَقاته ... ثار البخار فغامت الأَجفانُ
حسناءُ صبَّحها العدوُّ بمدفعٍ ... تَهوي على طلقاته الأركانُ
أَدْمَى مَحاجرها الرَّصاص ولم تزلْ ... شمَّاءَ ضاق بصبرها العُدوانُ
لْقى إليها السَّامريُّ بعجله ... وبذاتِ أَنواطٍ زَهَا الشَّيْطَانُ
نَسي المكابرُ أنَّ عِجْلَ ضلالِه ... سيذوب حين َتَمُّسه النيرانُ
حسناءُ، داهمَها الشِّتاءُ، ودارُها ... مهدومةٌ، ورضيعُها عُريانُ
وضَجيج غاراتِ العدوِّ يَزيدها ... فَزَعًا تَضَاعف عنده الَخَفقانُ
بالأمسِ ودَّعها ابنُها وحَليلُها ... وابنُ اختها وصديقُه حسَّانُ
واليوم صبَّحتِ المدافعُ حَيَّها ... بلهيبها، فتفرَّق الجيرانُ
باتت بلا زوجٍ ولا اِبنٍ ولا ... جارٍ يَصون جوارَها ويُصَانُ
يا ويحَها مَلَكتْ كنوزًا جَمَّة ... وتَبيت يعصر قلبَها الِحرْمانُ
تَستطعم الجارَ الفقيرَ عشاءَها ... ومتى سيُطعم غيرَه الُجوْعَانُ
صارتْ محطَّمةَ الرَّجاء، وإنَّما ... برجائه يتقوَّت الإِنسانُ
يا قدسُ يا حسناءُ طال فراقُنا وتلاعبتْ بقلوبنا الأَشجانُ
ستقول، أو سأقول، ما هذا الندى إلاَّ عطاءٌ ساقه المَنَّانُ
هذا النَّدى، بَذْلُ الذين قلوبُهم بوفائها وحنانها تَزْدَانُ
أبناءُ هذي الأرض فيها أَشرقتْ حِقَبُ الزمان، وأُنزِل القرآنُ
صنعوا وشاح المجد من إِيمانهم نعم الوشاحُ ونِعْمَتِ الأَلوانُ
شبكة مشكاة
الإسلامية
هي حكمةٌ بدويَّة ما أدركتْ أَبعادَها في حينها الأَذهانُ