الشبهة الثالثة
أن هذه الغارة قد حصل فيها قتل للمسلمين وللنساء
فنقول: أما قتل النساء فقد نصَّ العلماء على جوازه في هذه الحالة، لما رواه البخاري ومسلم من حديث الصَّعب بن جثَّامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن الدِّيار من ديار المشركين يبيَّتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: (هم منهم) . قال الموفق في المغني: وحديث الصعب بعد نهيه عن قتل النساء وعلى أن الجمع بينهما ممكن يحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه. أ. ه (13\ 140) .وقال الشيخ منصور البهوتي رحمه الله في شرحه على الروض المربع مع حاشيته لابن قاسم: (ويجوز تبييت الكفار بلا نزاع وقتلهم وهم غارُّون - أي غافلون -وقد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبيِّت العدو ويُغير عليهم مع الغدوات ويجوز رميهم بالمنجنيق فإنه صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف ونصبه عمرو بن العاص على الإسكندرية ويجوز رميهم بنار ولو قتل بلا قصد صبيًا ونحوَه كنساء وشيوخ ورهبان لجواز النكاية بالإجماع في جميع المشركين) أ. ه (4/ 269 - 270) .
وأما ما حصل من قتل للمسلمين فلا شك أنه فيه ما فيه وأنه على إطلاقه لا يجوز, وقد قال الله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبَكم منهم معرَّة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيَّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا) . والخطاب للمؤمنين في المدينة قبل الإذن لهم بدخول مكة أنه لولا ما فيها من المستضعفين من المؤمنين وأنهم سيقتلون حال الدخول مع الكفار لعدم تميزهم عنهم فيصيب المسلمين بذلك مضرةٌ ومسبةٌ وتعييرٌ من أهل الكفر، لو تزيَّلوا أي لو تميَّز الكفار عن المؤمنين لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا.
ولكنَّ للمسألة مخرجًا من أربعة أوجه:
الأول:
أن هذا حصل بدون قصد ولا علم إذ كيف يُظَن أنَّ مسلمًا يعمل في اقتصاد قوم كفرة ويوجد في هذه الأماكن ولم يُجِز العلماء المقام في بلاد المشركين إلا لضرورة وهذه الأماكن ليست من الأماكن التي يُظن وجود ضرورةٍ للمسلم أن يقيم في بلاد الكفر من أجلها وقد نص العلماء على أنهم إن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة. قال القرطبي في تفسيره (16\ 243) : وكذلك لو تترَّس كافر بمسلم لم يجز رميه وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحدًا من المسلمين فعليه الدية والكفارة فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة وذلك لأنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا فإذا فعلوه صاروا قتلة خطأ والدية علىعواقلهم فإن لم يعلموا فلهم أن يرموا. أ. ه. وهذا النقل وإن كان في التترُّس لكن عدم العلم يستوي فيه التترس وغيره في حال الجهاد فيدخل في ذلك غير التترس بلا شك.
الثاني:
أن العلماء أجازوا رمي الكفار وإن كان عندهم مسلمين حال قيام الحرب, قال الشافعي والقاضي أبو يعلى كما نقله في المغني: يجوز رميهم حال قيام الحرب لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد. أه. (13\ 142) . فإن قيل حال الضربة لم يكن هناك حرب فنقول: بل حرب والمسلمون كانوا يلاقون من أمريكا الألاقي حينها ثم إنكم