والكفار على اختلاف أنواعهم يقولون بالديمقراطية مادامت تحقق مآربهم، فإذا تعارضت ومصالحهم كانوا أول من يهدمها، شأنهم في ذلك شأن الكافر الذي صنع صنما من العجوة ليعبده فلما جاع يومًا أكل الإهه الذي كان يعبده، والأمثلة على ذلك كثيرة من الشرق والغرب.
والخلاصة يا أخي المسلم أن أعضاء البرلمان أصحاب الحق في التشريع للناس هم في الحقيقة أرباب معبودون من دون الله، والذين ينتخبونهم من الناس هم إنما ينصبونهم أربابا من دون الله، وكلا الفريقين يكفر بهذا، قال تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران:64، فلا يجوز دخول هذه المجالس ولا المشاركة في انتخاب أعضائها.
وإذ قد تبين لك أن المشاركة في هذه البرلمانات بالترشيح أو الانتخاب من الكفر الأكبر، وإذا كنا قد قلنا إن المعاصي لا تُباح بالنيّة وإنما بدليل خاص من الشريعة، فالكفر أشد من المعاصي وأكبر، فلا يُباح لا بالنية ولا للضرورة ولا للمصلحة، فالقول بالمصلحة وإن تحققت شروطها الشرعية إنما هو اجتهاد، ولا اجتهاد في مورد النص.
وقد زعم بعض الكفار أن نيتهم وقصدهم من الكفر التقرب إلى الله، فرَدّ الله عليهم قولهم وأكفَرَهم وأكذبهم، فلو كانوا يريدون القربى إلى الله لتقربوا إليه بما شرعه لا بما نهى عنه، وذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} الزمر 3.
وقال الشيخ ابن باز نفسه (وقد زعم المشركون أنهم قصدوا بعبادة الأنبياء والصالحين واتخاذهم الأصنام والأوثان آلهة مع الله، زعموا أنهم إنما أرادوا بذلك القربة والشفاعة إلى الله سبحانه، فردّ الله عليهم ذلك وأبطله بقوله عزوجل(ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون) يونس 18، ثم ذكر آية سورة الزمر السابقة) أهـ (مجموع فتاوى الشيخ ابن باز) ج 3 ص38.
فهذا نفسه هو حال من يدخل البرلمان ويقول قصده الدعوة إلى الله، هو كاذب كَفَّار، وإن سَمَّى إشراكه بالله دعوة ً إلى الله، فقد قال ابن القيم رحمه الله (ولو أوجب تبديل الأسماء والصور تبدل الأحكام والحقائق لفسدت الديانات وبُدِّلت الشرائع واضمحل الإسلام، وأي شيء نَفَعَ المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟، وأي شيء نفعهم تسميتهم الإشراك بالله تقربًا إلى الله؟ -إلى قوله-فهؤلاء كلهم حقيق أن يُتلى عليهم «إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان» ) (إعلام الموقعين) ج3ص130.
وعلى هذا ففتوى الشيخ ابن باز هذه خطأ. وعليك بهذه الفائدة، اُشْدُد عليها يديك وهى أن (المعاصي لاتباح بالنية وإنما بدليل خاص) . وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله-في كلامه السابق- (فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام «إنما الأعمال بالنيات» فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية-إلى قوله- فهذا كله جهل، والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلمًا وعدوانًا ومعصية، بل قصدُه الخيرَ بالشر- على خلاف مقتضى الشرع- شر آخر، فإن عَرَفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص ٍ بجهله) (إحياء علوم الدين) ج4 ص388.
هذا، وإذا كنت قد ذكرت أن المعاصي لا تباح بالنية الحسنة وإنما بدليل شرعي خاص، فإن هذا لا ينطبق على جميع المعاصي، فإن هناك محرمات لا تباح بحال، وهناك محرمات تباح في حال دون حال بدليل خاص، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين هذين القسمين، فقال رحمه الله (إن المحرمات قسمان: