ولو تأملنا حال أكثر الدول الغربية الصليبية لوجدنا عددًا لا بأس به من أحكامها وقوانينها توافق أحكام الإسلام، أو بالأحرى لا تتعارض مع أحكام الإسلام، فهل لأجل ذلك نستطيع أن نقول أن هذه الدول الصليبية تحكم بما أنزل الله في هذه الأحكام أو القوانين .. ؟!
الجواب: لا، لأنها هي إذ تنفذ هذه الأحكام والقوانين فهي تنفذها طاعة وانصياعًا لحكم الأكثرية، وما ترتئيه عقولهم وأهواؤهم، وليس طاعة وانقيادًا لحكم الله وأمره ..
ومنها، أن التحاكم إلى الشعب أو إلى الأكثرية من دون الله تعالى، هو ضرب من ضروب الشرك الأكبر، لتضمنه إشراك إرادة الأكثرية أو المخلوق مع الله الخالق - سبحانه وتعالى - في الحكم، كما قال تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} الكهف:26.
وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} الشورى:21. وحكم يوسم بالشرك أنَّى له أن يسمى حكمًا إسلاميًا يرتضيه الشارع - سبحانه وتعالى -.
ومن جهة فإن الله تعالى قد نفى الإيمان عمن يأبى التحاكم إلى شرعه، وعمن يتحاكم إلى شرعه لكن يجد في نفسه الحرج والضيق من جراء التحاكم إلى شرعه - سبحانه وتعالى - كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء:65.
قال ابن القيم رحمه الله: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الإنفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض [1] .
ولا شك أن الذي يرتضي حكم الشعب أو الأكثرية من دون الله تعالى، ويدور مع حكم الأكثرية حيثما دارت، ويقف معها حيثما تقف، أولى بانتفاء الإيمان عنه والوقوع في الكفر، فضلًا عن أن يوصف دورانه وروغانه هذا أصاب حكم الله، أو أنه حكم بشرع الله تعالى.
ومنها، أن التحاكم في نظر الإسلام عبادة من المتحاكم إلى المتحاكَم إليه، فمن تحاكم في جميع شؤون حياته الدينية والدنيوية إلى الله - سبحانه وتعالى - فهو عبد لله تعالى، ومن تحاكم إلى غيره - في قليل أو كثير - وارتضاه حاكمًا من دون الله أو مع الله، فهو عبد لهذا الغير وإن تسمى بأسماء المسلمين، وزعم أنه من المؤمنين.) أ. هـ
ثانيا:-
نقول بأن المادة الثالثة من الدستور اليمني (طاغوت اليمن) قد خالفتها ونقضتها المادة الرابعة فإذا قلنا بأن الدستور اليمني قد أسلم بالمادة الثالثة فإنه قد خرج من الإسلام بالمادة الرابعة وما يليها كمثل العبد المسلم إذا قال الشهادتين ثم جاء بناقض التوحيد والإسلام فإنه لا ينفعه قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ما دام متلبس بالناقض كالقول بإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة كالصلاة والجهاد وغيرها أو التحاكم إلى غير شرع الله تعالى فمن فعل ذلك فقد كفر ولا ينفعه قول لا إله إلا الله أبدأ حتى يتوب من ردته التي جاء بها.
وللفائدة أنقل هنا ما نقله بعض أهل العلم في هذا الباب
(1) - التبيان في أقسام القرآن:270.