فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 187

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين - وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) أهـ مجموع الفتاوى (12/ 250)

وقد تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين (3/ 65 - 66) عن هذا المانع وقرر أن انتفاء القصد مانع من موانع التكفير المعتبرة، واستدل بقول حمزة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (هل أنتم إلا أعبد لأبي) [1] قال: ... (وكان نشوانًا في الخمر، فلم يكفره صلى الله عليه وسلم بذلك، وكذلك الصحابي الذي قرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون) وكان ذلك قبل تحريم الخمر [2] . ولم يعد بذلك كافرًا لعدم القصد، وجريان اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه، فإياك أن تُهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة وتنسب إليها ما هي بريئة منه) أهـ ص66.

وقال أيضًا فيه (3/ 117) : (ولم يرتب {أي الشارع} تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علمًا، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم به، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به، إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو قاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، هذه قاعدة شرعية وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته) أهـ

فائدة: يمكن أن يستدل لمانع (انتفاء القصد) أيضًا بما هو ثابت من اغتفار ما صدر عن بعض نساء النبي صلى الله عليه و سلم بحقه بدافع الغيرة؛ من أقوال لا يجوز لأحد إطلاقها بحقه صلى الله عليه وسلم.

1 -من ذلك ما رواه البخاري في باب (هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد) من كتاب النكاح، وفيه أنه لما نزل قوله تعالى:

(( ترجي من تشاء منهن ) ): قالت عائشة: (يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) .

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (أي في رضاك، قال القرطبي هذا القول أبرزه الدلال والغيرة وهو من نوع قولها:(ما أحمدكما ولا أحمد إلا الله) وإلا فإضافة الهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تحمل على ظاهره لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يفعل بالهوى. ولو قالت إلى مرضاتك لكان أليق، ولكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك) أهـ.

(1) أنطر صحيح البخاري كتاب المغازي وغيره.

(2) ولذلك اختلف العلماء بمن نطق بكلمة الكفر حال السكر، فرأى بعضهم أن السكران الطافح الذي لا يعلم ما يقول لا عبرة بأقواله ردة وإسلامًا، قال شيخ الإسلام: (لا يحكم بكفره في أصح القولين كما لا يقع طلاقه في أصح القولين. وإن كان النزاع في الحكم مشهورًا) أهـ (10/ 39)

وانظر إعلام الموقعين (5/ 49) واستدل من قال بذلك بحديث حمزة المذكور أعلاه وبقوله تعالى (حتى تعلموا ما تقولون ... ) فمفهومه أن السكران الطافح لا يقصد أقواله وأفعاله .. وفصل بعضهم بين ما كان من خطاب التكليف وبين ما كان من خطاب الوضع، وأنت ترى أن أدلة المعتبرين لهذا المانع كلها قبل تحريم الخمر ولذلك رجح القاضي عياض في الشفا عدم اعتباره (2/ 232) ونقل عن بعض أهل العلم القول بقتل شاتم النبي صلى الله عليه وسلم في سكره وألزمه الطلاق والعتاق والقصاص والحدود ... . (2/ 231 - 232) وانظر أيضًا المغنى لابن قدامة (كتاب من ارتد وهو سكران .. ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت