1 -مثله ما رواه أيضًا في كتاب الهبة وفضلها، باب (من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض) وفيه قول زينب بنت جحش للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن نساءك ينشدنك الله، العدل في بنت أبي قحافة ... ) فليس هذا من جنس الطعن والأذى الذي كان دافعًا لذي الخويصرة لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إعدل) .
بل الدافع هنا فرط محبة النبي صلى الله عليه وسلم والغيرة التي جبلت عليها النساء .. والشح بحظهن منه.
قال الحافظ: (طلبت العدل مع علمها بأنه أعدل الناس ولكن غلبت عليها الغيرة ولم يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاق ذلك) أهـ.
وقد حكى القاضي عياض في الإكمال عن مالك وغيره، إن المرأة إذا رمت زوجها بالفاحشة، على جهة الغيرة لا يجب عليها الحد، قال واحتج بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (وما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله) أهـ من الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص61.
ويتبع هذا المانع (إنتفاء القصد) قول الكفر على سبيل الحكاية عن الغير.
-كمن يقرأ كلام الكفار الذي قصه الله تعالى في كتابه، وقد أمر الله بتلاوة كتابه، فلا يكفر قارئ ذلك قطعا بل يؤجر.
-وكنقل الشاهد ما سمعه من كفر للقاضي أو غيره.
-وكنقل مقالات الكفار لبيان ما فيها من الفساد أو للرد عليها، فكل ذلك جائز أو واجب لا يكفر قائله، ولهذا يقال: (ناقل الكفر ليس بكافر) بخلاف من حكاه ونقله على سبيل النشر أو الإشاعة على سبيل الإستحسان والتأييد فهذا كفر لا ريب.
قال القاضي عياض تعليقًا على حديث مسلم في الذي انفلتت منه ناقته وعليها طعامه وشرابه في مهلكة، ثم لما ردها الله عليه (أخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) قال: (فيه أن ما ناله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علمي، وفائدة شرعية، لا على الهزل والمحاكاة والعبث، ويدل على ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان منكرًا ما حكاه والله اعلم) أهـ [1]
وقرائن الحال لها دخل في التفريق والتميز بين هذه الأحوال.
قال القاضي عياض (أن يقول القائل ذلك حاكيًا عن غيره وأثرًا له عن سواه، فهذا ينظر في صورة حكايته مقالته ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه: الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم) أهـ الشفا (2/ 997 - 1003)
وقال ابن حزم: (الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حكم له عند الله عز وجل، لأن أحدنا يلفظ بالكفر حاكيًا وقارئًا له في القرآن، فلا يكون بذلك كافرًا حتى يقر أنه عقده. قال: فإن احتج بهذا أهل المقالة الأُول - يعني المرجئة والجهمية - وقالوا هذا يشهد بأن الإعلان بالكفر ليس كفرا، قلنا له وبالله تعالى التوفيق: قد قلنا إن التسمية ليست لنا، وإنما هي لله تعالى،
(1) عن فتح الباري كتاب الدعوات (باب التوبة)