فدستور الجمهورية اليمنية وضع في الأساس عن طريق الاستفتاء أي عن طريق الإرادة الشعبية، ثم إن القول النهائي بشأن تعديله. هو للشعب. وهذا ما قرره حكم المادة الرابعة من الدستور التي جعلت للشعب حق ممارسة التشريع عن طريق الاستفتاء وما أكدته المادة (156) (أقول: هذا رقم المادة قبل التعديل الأخير ورقمها الحالي هو158) التي جعلت الدستور غير قابل للتعديل إلا بموافقة الأغلبية في استفتاء عام. وقرار الشعب بالأغلبية في الاستفتاء عند وضع الدستور أو تعديله قرار لا يقبل الطعن فيه ولا يخضع لشكل من الإشكال الرقابية، فإذا كان الأمر كذلك فإنه لو كان الدستور مخالفا للشريعة الإسلامية فليس هناك من وسيلة دستورية - ونحن نتحدث عن قواعد الدستور - يمكن استخدامها للاعتراض على الأحكام الدستورية المخالفة للشريعة الإسلامية. فالشعب وفقا لهذه النتيجة هو صاحب السيادة في التشريع الدستوري.) [1] أ. هـ
يقول أخونا الشيخ عبد المنعم مصطفى حليمة أبو بصير -حفظه الله تعالى- في كتابه (حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية) ص109 - 112: الأمة تُزاول السلطة بإذن الله، وليست هي مصدر السلطة.
يوجد فرق بين مزاولة الأمة لسلطة الحكم بما أنزل الله، وبين أن تكون هي مصدر الحكم والتشريع كما هو الحال في النظم الديمقراطية.
فالأول حق من حقوق الأمة، والثاني شرك وكفر لا ينبغي لمخلوق أن يتجاسر عليه - أيًّا كان موضعه وكانت رتبته - أو أن ينسب نفسه إليه إلا في حال آثر الكفر على الإيمان، وليس فوق الكفر ذنب ..
فالأمة من حقها أن تختار من يحكمها بشرع الله تعالى، ويسوس أمرها ودنياها بالدين، ممن ترى فيه الصلاح والكفاءة لهذا المنصب من المؤمنين الموحدين.
كما من حقها - ممثلة في علمائها والصفوة الأخيار - أن تراقب السلطان المسلم، وأن تحاسبه - وفق ضوابط وآداب الشرع - على أي تقصير يبدر منه، وأن تقوّمه في حال انحرافه وخروجه عن جادة العدل والصواب ..
ومن حقها كذلك أن تعزله ولو بالقوة في حال طرأ عليه الكفر البواح، وأن تختار غيره - عن طريق الشورى - من المسلمين ممن يستقيم به أمر الدنيا والدين ..
ولها كامل الحق في أن تقول للظلم لا، وللظالم ألف لا، ولو كان خليفةً عامًّا للمسلمين، فليس لمخلوق على الأمة حق الطاعة لذاته، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنه لا عصمة لأحد بعد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبالتالي ليست لمخلوق - مهما على قدره - القدسية التي تجعله في مرتبة فوق المساءلة، فالذي لا يُسأل عما يفعل هو الله تعالى وحده، وهذا ليس لأحدٍ سواه.
يكفينا في ذلك قول نبينا - صلى الله عليه وسلم:"إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه" [2] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"طاعة الإمام حق على المرء المسلم، مالم يأمر بمعصية الله - عز وجل -، فإذا أمر بمعصية الله فلا طاعة له" [3] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا بيده، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" [4] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"من أمركم من الولاة بمعصية فلا تطيعوه" [5] .
(1) - دستور الجمهورية اليمنية في الميزان ص 20 - 23. طبعة دار الفكر المعاصر _ صنعاء
(2) - أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع:1974
(3) - السلسلة الصحيحة:752.
(4) - أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي وغيرهم، الصحيحة:1564
(5) - أخرجه أحمد، وابن ماجة، وابن حبان، الصحيحة:2324.