ويقول ابن اللحام: (جاهل الحكم إنما يعذر إذا لم يقصر أو يفرط في تعلم الحكم، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزمًا) أهـ القواعد والفوائد الأصولية ص (58) .
هذا واعلم أن مانع الجهل فيه تفصيل يطول، وقد صنف فيه أهل عصرنا المصنفات، ما بين إفراط وتفريط، وقد نفاه أقوام بالكلية، فأخطأوا، وكفّروا من لم يكفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
ووسّعه آخرون فتعدوا حدود الله فيه، حتى عذروا المرتدين المعاندين، والكفرة المعرضين عن دين الله، أولئك الذين جهلوا دين الله بكسبهم وإعراضهم عنه، واستحبابهم الحياة الدنيا وزخرفها .. فتراهم أعلم الناس في كل ما دق وجل من أمورها وقشورها، بينما لا يرفعون رأسًا بتعلم أهم وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه، هذا مع توفر مظنة العلم، والكتاب والسنة بين أيديهم - كما قلنا - فهم ممن قال الله تعالى عنهم (( يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ... غافلون ) ).
*وإنما الذي يعذر ويعتبر في حقه هذا المانع كمانع من موانع التكفير، من كان عنده أصل التوحيد لكن خفيت عليه بعض المسائل التي قد تُشكل أو تخفى أو تحتاج إلى تعريف وبيان، ومن جنس ذلك باب أسماء الله وصفاته، فقد دلت أدلة الشرع على عذر المخطئ فيها من أهل التوحيد، وعدم جواز تكفيره إلا بعد إقامة الحجة بالتعريف والبيان ..
*كما في حديث الرجل الذي أسرف على نفسه فلم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد [1] ، فأوصى بنيه، عند موته أن يحرقوه ويذروا رماده، وقال لإنْ قدر الله علي ليعذبني عذبًا لا يعذبه أحد من العالمين.
وفيه جهله بسعة قدرة الله وأنه سبحانه قادر على بعثه حتى وإن احترق وتفرقت أجزاؤه، ومع هذا فقد غفر الله له لتوحيده وخشيته لله، فدل ذلك على أن الخطأ والجهل في مثل هذا الباب يعذر فيه الجاهل إن كان من أهل التوحيد ..
ولذلك نص شيخ الإسلام ابن تيمية في مناظرته على (العقيدة الواسطية) التي جلها في باب الأسماء والصفات، وذلك لما اعترض بعض المناظرين على قوله فيها (هذا اعتقاد الفرقة الناجية) قال رحمه الله: (وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة) أهـ الفتاوى (3/ 116)
*ومن هذا الباب أيضًا اعتبار مانع الجهل في حديث العهد بالإسلام أو من نشأ في بادية بعيدة يتعذر وصول تفاصيل الشرع إليها ونحو ذلك .. فإنه يعذر فيما خفي عليه ما دام من أهل التوحيد مجتنبًا للشرك الأكبر والتنديد.
*وقد قدمنا لك في أول هذا الفصل تفريق شيخ الإسلام في الفتاوى (35/ 101) بين تكفير المطلق وتكفير المعين، وأن تكفير المعين لا بد فيه من تبين الشروط والموانع ... ثم ضرب على ذلك أمثلة فقال: (مثل من قال: إن الخمر والربا حلال، لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد انه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء
(1) سيأتي الحديث وكلام أهل العلم فيه في أخطاء التكفير، وزيادة (إلا التوحيد) معلومة من دين الله ضرورة، ومع هذا فقد رواها الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعة ومن حديث ابن مسعود موقوفا.