مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل الذي قال: إذا أنا مت فاسحقوني، وذروني في اليم، لعلي أضل عن الله، ونحو ذلك فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة، كما قال الله تعالى (( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) )وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان) أهـ.
يقول ابن حزم: (ولا خلاف في أن امرءًا لو أسلم - ولم يعلم شرائع الإسلام - فاعتقد أن الخمر حلال، وأن ليس على الإنسان صلاة، وهو لم يبلغه حكم الله تعالى لم يكن كافرًا بلا خلاف يعتد به، حتى إذا قامت عليه الحجة فتمادى حينئذ بإجماع الأمة فهو كافر) أهـ المحلى (13/ 151)
وقال أيضًا في الفصل (4/ 105) : (ومن لم يبلغه الباب من واجبات الدين فإنه معذور لا ملامة عليه، وقد كان جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم، بأرض الحبشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة والقرآن ينزل والشرائع تشرع، فلا يبلغ إلى جعفر وأصحابه أصلًا، لانقطاع الطريق جملة من المدينة إلى أرض الحبشة، وبقوا كذلك ست سنين فما ضرهم ذلك في دينهم شيئًا، إذا عملوا بالحرام وتركوا المفروض) أهـ
وقال ابن قدامة في المغنى (كتاب المرتد) (مسألة: ومن ترك الصلاة) : (لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدًا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث العهد بالإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم، لم يحكم بكفره، وعرّف ذلك، وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر، وأما إذا كان الجاحد لها ناشئًا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها، وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها ... ) أهـ.
وقد استدل العلماء لذلك أيضًا بما روي في سنن الترمذي عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقلنا يا رسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو اسرائيل لموسى، اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من قبلكم)
فاستدل من صحح هذا من العلماء على (أن من أراد أن يفعل الشرك جهلًا فنهي فانتهى لا يكفر) [1] وليس فيه عذر المشركين بالشرك الأكبر كما يستدل به مرجئة العصر للطواغيت وأنصارهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم غضب لطلب الصحابة وأنكره عليهم لكنه عذرهم ولم يكفرهم ...
بينما لم يعذر المشركين في اقترافهم للشرك ..
فالصحابة طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم جهلًا منهم، لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفر، ظنًا منهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم له أن يجعل لهم شجرة يعكفون عندها يعبدون الله .. ولم يقترفوا شركًا، ولا ذريعة من ذرائعه، فيجب الوقوف بالدليل عند حدوده ودلالاته التي يحتملها، بأن يعذر به الجاهل ما لم يقترف الشرك الأكبر أو الكفر الواضح المستبين.
(1) عن تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، ص185.