فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 187

وذلك لأن الأدلة الشرعية قد دلت على أن نقض أصل التوحيد بالكفر البواح أو بالشرك الصراح الواضح المستبين المعلوم بالضرورة إنكاره في دين المسلمين، والذي لا يخفى على صبيان المسلمين، وحتى اليهود والنصارى يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بإبطاله وهدمه، فهذا لا يعذر الجاهل في مثله، خصوصًا مع إتمام الله نعمته على الأمة بحفظ كتابه الذي علق سبحانه النذارة فيه وببلوغه، فمن بلغته النذارة ونقض أصل التوحيد بالكفر أوالشرك الصراح الواضح المستبين فهو كافر بل ومعذب في الآخرة ولا يصلح الاعتذار له بالجهل لأن جهله والحال كذلك جهل إعراض لا جهل من لم يتمكن من العلم، ويدل على ذلك دلالة واضحة قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سأله عن أبيه: (إن أبي وأباك في النار) [1] مع أن هؤلاء الآباء من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} وقال: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} ، فهؤلاء لم يعذروا بالشرك الأكبر مع إنهم ما أتاهم نذير خاص بهم، وما ذلك إلا لأن الشرك الأكبر الصراح، قد أقام الله على الإنذار والتحذير منه حججه البالغة الواضحة، وأرسل كافة رسله منذرين ومحذرين منه، وأنزل جميع كتبه من أجل هدمه والتحذير منه .. ثم جعل خاتمها كتاب لا يغسله الماء تكفل بحفظه وعلق النذارة به، فمن باب أولى أن لا يعذر بمثل ذلك من جاؤوا بعد ذلك.

قال القاضي عياض في الشفا (2/ 231) في معرض كلامه على ساب النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الكفر الصريح الذي لا يعذر الجاهل به.

قال: (أو يأتي بسفه من القول أو قبيح من الكلام ونوع من السب في جهته وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو ضجر أو سكر اضطره إليه، أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه؛ فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم إذ لا يعذر أحد بالكفر بالجهالة) أهـ.

أي الكفر الصريح الذي هو من قبيل سب النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فقد تقدم قول القاضي نفسه في وجوب الإحتراز في إكفار المتأولين من المصلين الموحدين.

(4) مانع الإكراه:

ويقابله في الشروط أن يكون المكلف مختارًا لفعله.

ويدل عليه قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} وقد ذكر العلماء شروطًا لصحة تحقق مانع الإكراه منها [2] :

-أن يكون المكرِه (بكسر الراء) قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمكرَه عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.

-أن يغلب على ظن المكرَه، أنه إذا امتنع أوقع به ما يهدد به.

(1) رواه مسلم عن أنس مرفوعا، ومثله ما رواه الإمام أحمد (4/ 11) : (إن أمي وأمك في النار) . وفي صحيح مسلم (استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي ... )

(2) أنظر فتح الباري (كتاب الإكراه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت