وما لم يكن كذلك فلا يعتبر، فمن ادعى سببية أو شرطية أو مانعية شيء لشيء، فلا بد له من إثبات ذلك بدليل، وإلا كان تقولًا على الله بلا علم، فلا يجوز ابتداع أسباب أو شروط أو موانع للتكفير ما أنزل الله بها من سلطان، ومن فعل ذلك فهو داخل تحت عموم قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} ، وقوله سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} .. فحذار من ذلك ..
حتى إن (أكثر الأصولين منعوا القياس في الشروط والأسباب والموانع) [1] - هذا وقد خاض كثير من الخوالف في هذا العصر، في أعذار وموانع التكفير، فصار كثير منهم يعتذر للكفار والمرتدين، بموانع وأعذار مبتدعة - لا تخطر حتى على بال أولئك المرتدين - بعضها ما أنزل الله به من سلطان، وبعضها قد نص الله سبحانه على إبطاله في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.
فمن ذلك:
1 -الخوف مما يهدد به بعضهم من قطع راتب أو الطرد من الوظيفة أو مصادرة بعض حظوظ دنياهم أو منعهم من بعض قشورها، فهذا ليس بمانع من موانع التكفير ولا يعذر به من دفعه ذلك إلى الكفر برب العالمين، وتول المشركين ومظاهرتهم على المسلمين، ونصرة قوانين المشركين، بل هو من تزيين الشياطين وإمدادهم لأوليائهم بالغيّ، وأزِّهم إلى الكفر أزَّا، إذ التخويف بمثل هذه الأمور ليس من الإكراه في شيء.
وقد قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} .
وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ... الآيات} المائدة:51 - 54
ففي هذه الآيات بيان ردة من دفعتهم الخشية المجردة إلى تولي الكفار، والتصريح بأنهم قد حبطت أعمالهم، وهذا لا يكون إلا بالكفر ..
فلم يعذر الله في اقتراف الكفر (كتولي المشركين أو قوانينهم) ، بالخشية المجردة، ولم يجعل ذلك مانعًا من موانع ... التكفير، ولم يجعله من الإكراه كما يظن كثير من الجهَّال ..
(1) مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 282، وانظر إرشاد الفحول، (الفصل الخامس) (فيما لا يجري فيه القياس) ص 375.