يقول الشيخ حمد بن عتيق في (سبيل النجاة والفكاك من مولاة المرتدين وأهل الإشراك) ص62 حين ذكر أحوال الناس المظهرين لموافقة الكفار فذكر فيهم [1] من يوافقهم في الظاهر مع دعوى مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم، قال: (وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحّة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال، فإنه في هذه الحالة يكون مرتدًا ولا ينفعه كراهته لهم في الباطن [2] .
وهو ممن قال الله فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} .
وأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل، ولا بغض (الحق) ، أو محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظًا من حظوظ الدنيا آثروه على الدين ...
قال: وهذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وأما ما يعتقده كثير من الناس عذرًا فإنه من تزيين الشيطان وتسويله، فذلك أن بعضهم إذا خوفهم أولياء الشيطان خوفًا لا حقيقة له، ظن أنه يجوز له إظهار الموافقة للمشركين والانقياد لهم) أهـ.
ثم ذكر كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية في صفة الإكراه على كلمة الكفر، وأنه لا يكون إلا بالضرب والتعذيب والقتل، لا بمجرد الكلام ولا بالتخويف بالحيلولة دونه ودون زوجته أو ماله أو أهله ...
وقد نقل السيوطي في مقدمة تاريخ الخلفاء عن القاضي عياض قال: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد يعني (حكام) مصر على الدخول في دعوتهم، أو يقتل؟
قال: يختار القتل، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد فقد وجب الفرار فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم، لئلا تخلو للمسلمين حدودهم، فيفتنوهم عن دينهم) أهـ (ص13) .
ويصدق هذا ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء: 97
فإنها نزلت في أناس كانوا قد أسلموا ولكنهم قصروا في الهجرة، فبقوا في مكة بين المرتدين مشحّة أن يتركوا المساكن والأزواج والأموال والأوطان، فلما كان يوم بدر، أخرجهم المشركون في صفوفهم، فكان المسلمون إذا رموا بسهم وقع في بعضهم، فقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله تعالى هذه الآيات من سورة النساء، فلم يعذرهم تعالى بدعواهم الإستضعاف وإخراج المشركين لهم في الصف كرهًا، لأنهم قصروا أول مرة في الهجرة والخروج من بينهم حين كانوا في سعة حال القدرة عليه، وإنما عذر- كما في الآية
(1) هذا هو الوجه الثاني من حال المذكورين أعلاه، وتقدم كلامه في الوجه الاول في الهامش في مانع الإكراه، وهو الذي يكون في سلطانهم مع ضربهم وتقيدهم له وتهديده بالقتل.
(2) لأنه وافقهم على إظهار الكفر دونما إكراه حقيقي، وإنما تنفع كراهية الباطن المكره على كلمة الكفر إكراها حقيقيا، أو المستضعف الذي يكتم إيمانه إذا لم يظهر منه ما يناقضه.