فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 187

و لا شك أن الطاغوت الوارد ذكره في الآية يشمل الحاكم بغير ما أنزل الله، ولربما يكون المعنى بالدرجة الأولى من صفة الطغيان ومسمى الطاغوت الواردة في الآية. وقد أثر عن بعض السلف أن المراد بالطاغوت الوارد في هذه الآية هو كعب بن الأشرف اليهودي لكونه يحكم بغير ما أنزل الله ...

قال المودودي: فالمراد بالطاغوت في هذه الآية صراحة الحاكم الذي يحكم بقوانين أخرى غير قانون الله وشرعه، وكذلك نظام المحاكم الذي لا يطيع سلطة الله العليا ويستند إلى كتاب آخر غير كتاب الله [1] .

و منها، أن الحاكم بغير ما أنزل الله يُعبد من جهة التحاكم والطاعة من قبل المتحاكم إليه، وقد تقدم أن التحاكم عبادة لا تُصرف إلا لله تعالى، فمن تحاكم إلى غيره فهو متأله لهذا الغير وعابد له.

و منها، أن الذي يحكم بغير ما أنزل الله، يُخرج أولياءه ومتابعيه الراضين به، من نور الوحي وعدل الإسلام وهو الحكم بما أنزل الله، إلى ظلمات الشرك والكفر والجاهلية وهو الحكم بغير ما أنزل الله، وهو المراد من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [2] .

و منه يعلم أن الحاكم بغير ما أنزل الله يُجرى عليه مسمى الطاغوت، اسمًا وصفةً ومعنى، ولا محالة من ذلك.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: الطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة، منهم: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [3] .

-فصل القول فيمن يحكم بغير ما أنزل الله:

نحن إذ نتكلم - في بحثنا هذا - عن طغيان الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، وعن حكم الشرع فيه، لا نقصد منه صورة ذاك الحاكم الطيب الذي يحب شرع الله، ولا يرضى عنه بديلا، ويسعى إلى تطبيقه - قدر طاقته - في جميع مجالات الحياة، لكنه في واقعة - وقل وقائع - تخونه نفسه، فيحكم فيها بغير ما أنزل الله لضعف في نفسه أو هوى، مع اعترافه بالتقصير وشعوره بالإثم، كما هو حال كثير من حكام بني أمية والعباسيين، وغيرهم من حكام المسلمين الذين جاؤوا من بعدهم.

فهؤلاء - ومن كان على صورتهم - لا نقول إلا بإسلامهم، ولا نعرف أحدا من أهل العلم المعتبرين قال بكفرهم، وعليهم وعلى أمثالهم نحمل مقولة ابن عباس - رضي الله عنه - وغيره من أهل العلم: إنه كفر دون كفر، وليس بالكفر الذي ينقل عن الملة، وأنهم فعلوا فعلا يضاهي أفعال الكفار.

فنحن لا نريد هذه الصورة الشبه غائبة عن الساحة ومنذ زمن بعيد، وإنما نريد حالة أخرى، نريد تلك الصورة السائدة في كثير من أمصار المسلمين ...

نريد ذاك الحاكم الذي غير وبدل، وقدم شرع الطاغوت على شرع الله، واستحسنه وحسنه في أعين الناس ...

نريد ذاك الحاكم الذي يحارب ويعادي شرع الله، والدعاة إلى تطبيق شرع الله في الأرض ...

نريد ذاك الحاكم الذي يحمي - بالمال والرجال والسلاح - قوانين الكفر، ويقاتل الأمة دونها ...

نريد ذاك الحاكم الذي ظهرت فيه جميع العلامات والقرائن الدالة على كرهه لشرع الله ...

(1) الحكومة الإسلامية.

(2) سورة البقرة، الآية: 257.

(3) مجموعة التوحيد، ص9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت