نريد ذاك الحاكم الذي يحتاج إلى ثورة عارمة مسلحة حتى ينصاع إلى أمر أو حكم واحد من أحكام الله .. !
نريد ذاك الحاكم الذي أعطى ظهره لشرع الله، وأعرض عنه كل الإعراض ...
نريد ذاك الحاكم الذي استحل - بلسان الحال والعمل وهو أقوى من سان المقال - الحكم بغير ما أنزل الله ...
فهذه الصورة الخبيثة الجاثمة على صدر الأمة ومقدراتها نريد، وهذا الحاكم الطاغي - بصفاته الآنفة الذكر - نريد، وفيه نقول: قد اجتمعت أدلة الكتاب والسنة، وجميع أقوال علماء الأمة المعتبرين - بما لا يدع مجالا للشك والتوقف أو التردد - على كفره كفرا بواحا ظاهرا، لا يتوقف في تكفيره إلا كل مرجف مغفل، أو جاهل أعمى البصر والبصيرة.
و إليك بعض أقوال أهل العلم في ذلك:
1 -ابن كثير:
قال في تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [1] .
ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم"الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} ، أي يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون {و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [2] .
فتأمل كيف اعتبر الحكم"بالياسق"كفرا، وأن الذي يحكم به كافر يجب قتاله .. ثم تأمل هل تجد فارقا بين ياسق جنكيزخان وبين القوانين الوضعية النافذة في أمصار المسلمين؟!
بل لربما كان الياسق أفضل من جهة أنه يحتوي على بعض ما جاء في الملة الإسلامية، بخلاف القوانين الوضعية التي كلها مستمدة من قوانين الغرب وأهواء الرجال.
2 -أحمد شاكر:
قال معلقا على كلام ابن كثير السابق: أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة، بل تشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة يغيرونه ويبدلونه كما يشاؤون، لا يبالي واضعه وافق شرعة الإسلام أم خالفها ...
إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام - كائنا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها ...
أفيجوز مع هذا لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟!
(1) سورة المائدة، الآية: 50.
(2) تفسير القرآن العظيم: 2/ 70.