فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 187

أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل الياسق العصري، وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟! [1]

3 -ابن تيمية:

في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} ... .

قال: في هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار.

و ولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمال يأخذه، كان بمنزلة مقدم الحرامية، الذي يقاسم المحاربين على الأخيذة، وبمنزلة القواد الذي يأخذه ليجمع بين اثنين على فاحشة [2] ، وكان حاله شبيها بحال عجوز السوء امرأة لوط التي كانت تدل الفجار على ضيفه التي قال الله تعالى فيها: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} ..

و ولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يأخذه [3] ، كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك، فأعان عدوك عليك. وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به في سبيل الله، فقاتل به المسلمين ...

و قال: فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء.

فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين ...

و قال: فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فسادا ...

و معلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ [4] إتباع غير دين الإسلام، أو إتباع شريعة غير شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم: فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب ...

و قال: فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير إتباع لما أنزله الله فهو كافر [5] ، فإن ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله،

(1) عمدة التفسير: 4/ 171 و174.

(2) إذا كانت هذه منزلة من يحكم بغير ما أنزل الله لرشوة يرتشيها، فما يكون القول إذًا فيمن يعرض عن حكم الله إعراضا كليا، ويستبدل شرع الله بشرائع شتى من صنع البشر .. ؟!

(3) قلت: فكيف بحكام وولاة هم يدفعون المال ليمكنوا من المنكر والفواحش .. ؟!

(4) ليت حكام هذا الزمان وقفوا عند التسويغ لشرائع الكفر ولم يتجاوزوا ذلك، بل تراهم - وبكل وقاحة وجرأة على الله - يروجونها، ويحسنونها في أعين الناس، ويأطرون الأمة أطرا على التحاكم إليها، والويل كل الويل لمن يعارضها أو يتخلف عن تنفيد أحكامها، والقانون - كما يقولون - فوق كل شيء .. فأي كفر بعد هذا الكفر.

(5) إن إطلاق أهل العلم لشرط الاستحلال مشكل على مرجئة العصر، فهم لا يرون الاستحلال استحلالا إلا إذا نطق المرء بلسانه أنه يستحل الحكم بغير ما أنزل الله في قلبه - ومثل هذا لا يصدر عن أطغى طغاة الأرض - وما سوى ذلك من القرائن العملية الجلية التي تدل على الاستحلال والجحود والاستهانة بحكم الله، لا اعتبار لها عندهم، وحقيقة ذلك أنهم يبطلون العمل والقول كدليل على الإيمان أو الكفر - فهم جهميون في الإيمان وإن لم يعترفوا بذلك - وهذا مخالف لما عليه سلف الأمة، من أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، كما أن الكفر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، وتفصيل ذلك تجده في ردنا (الشيخ الطرطوسي) على شريط"الكفر كفران"للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وهو في مصنف يتجاوز المائتي صفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت