فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 187

وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علمًا، وعلَّمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصَّمْت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والنار والجنة ويوم القيامة، و ما فيه حتى كأنه رأي عين، وعرَّفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعَرَّفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم و ما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها و جليلها ما لم يُعَرِّفه نبي لأمته قبله، وعرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يُعَرّف به نبي غيره، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا إلى مَنْ يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو عَلموهُ وعَقَلوه ورَعَوْه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدا ً، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره مالا مزيد عليه، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها مالا حاجة لهم معه إلى سواه، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعْظَمَ استقامة.

و بالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة بِرُمَّته، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟ ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وَفَّقَ الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما ما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم، وقد كان عمر رضي الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشتغل الناسُ به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزَبَد أفكارهم وزُبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان.

وقد قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} أ. هـ

و إضافة إلى ما تقدم أنقل ما كتبه أخونا الشيخ ناصر الفهد في كتابه التنكيل ج1ص31 - 32 في المقدمة الخامسة والتي بعنوان: (إن الله سبحانه وتعالى أكمل الدين وأتم النعمة") "

قال فك الله أسره: (فالدين هو ما توفي عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقد كمل، وسار عليه أصحابه رضوان الله عليهم، لا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا شرع إلا ما جاء به، فمن زاد فيه أو نقص أو حرّف فقد افترى على الله الكذب.

والمقصود: أن هناك طائفة خرجت في هذا الزمان ابتليت بهزيمة نفسية أمام الكفار، فصارت تحرف النصوص وتزيد في الشرع أو تنقص منه أو تغير فيه بحجة (تحسين صورة الإسلام في عيون الكفار) ، كإنكار الجهاد، أو أحكام أهل الذمة، أو معاداة وبغض الكفار وأحكام الردة، أو بعض أحكام النساء، أو يزعمون أن (الاشتراكية) أو (الديمقراطية) و نحوها جاء بها الإسلام، ونحو هذه الأمور، وهذا باطل، بل قد يؤدي إلى الكفر من جهتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت