-صلى الله عليه وسلم - قد أثنى على هذا الحلف ومدحه مع أنه كان قائمًا في زمن دولة الكفر وليس ثَمَّ إمام .. أقول: لو أننا احتججنا بدليلهم هذا على هذه المسألة لبدّعونا ولشنوا علينا الغارات ولشنعوا فينا المقال .. لكن الاستدلال به على جواز القسم على احترام الشرك والمشاركة في التشريع وِفقًا لدستور إبليس وغير ذلك من ضلالاتهم وشركياتهم وانحرافاتهم فذلك أمرٌ تُسوِّغه عقولهم النخرة .. فبُعدًا فبعدًا) أ. هـ
أقول: جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الحلف ما رواه البخاري في الأدب المفرد عن عبد الرحمن بن عوف أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال"شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم" [1]
ورواه البيهقي والحميدي عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعد ظالم مظلوما"وهذا الحديث ذكره الإمام ابن كثير في البداية والنهاية 2\ 305 وعزاه البيهقي.
هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شأن حلف المطيبين - حلف الفضول - ولعل القائل بشبهة جواز الأخذ بالنظم الجاهلية في الإسلام استدل بحلف الفضول على جواز الحلف مع الكفار ولأن هذا الحلف كان قبل الإسلام - في الجاهلية - فهو نظام جاهلي وبما أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقرّه وأثنى عليه فإذن يجوز الأخذ بالنظم الجاهلية وقياسًا على هذه الواقعة وثناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها.
والجواب من وجوه:
أولًا: الاعتماد في هذه الشبهة على جواز الحلف مع الكفار بدليل الحديث ولكن الأحكام الشرعية لا تؤخذ من حديث واحد ولا من آية واحدة وإغفال بقية الآيات والأحاديث بل تجمع الآيات والأحاديث ثم يعمل فيها الاجتهاد لمن كان من أهله وأما من لم يكن من أهل الاجتهاد فعليه النظر فيما قاله العلماء ثم الترجيح عند التعارض لمن كان من أهل الترجيح وإلا فعليه الإتباع أو التقليد كما هو معروف في أصول الفقه.
قال الإمام الغزالي في كتابه (المستصفى) 2/ 392(يجب على المجتهد في كل مسألة: أن يرد نظره إلى النفي الأصلي قبل ورود السمع، ثم يبحث عن الأدلة السمعية المقيدة.
فينظر أول شيء في الإجماع، فإن وجد في المسألة إجماعًا ترك النظر في الكتاب والسنة، فإنهما يقبلان النسخ والإجماع لا يقبله، فالإجماع على خلاف ما في الكتاب والسنة دليل قاطع على النسخ، إذ لا تجتمع الأمة على الخطأ. ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة، وهما على رتبة واحدة، لأن كل واحد يفيد العلم القاطع، ولا يتصور التعارض في القطعيات السمعيات، إلا بأن يكون أحدهما ناسخًا، فما وَجَد فيه نص كتاب أو سنة متواترة أخذ به. ثم ينظر بعد ذلك إلى عمومات الكتاب وظواهره. ثم ينظر في مخصصات العموم، من أخبار الآحاد والأقيسة، فإن عارض قياسٌُ عمومًا أو خبرُ واحدٍ عمومًا، فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها. فإن لم يجد لفظًا نصًا ولا ظاهرًا، نظر إلى قياس النصوص. فإن تعارض قياسان أو خبران أو عمومان طلب الترجيح، فإن تساويا عنده توقَّف على رأي وتخيَّر على رأي)أ. هـ
وهذه المسألة - الحلف مع الكفار - قد تكلم فيها العلماء وإباحتها محل خلاف وتفصيل عند العلماء وليست محل إجماع وبيان ذلك ما يلي:
(1) - صحيح الأدب المفرد 441