ويشاور الأمير كذلك عندما يخفى عليه الحكم الشرعي كما سيأتي فيما رواه ميمون بن مهران عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
ويشاور الأمير كذلك عند وضوح الحكم الشرعي لاختيار الزمان أو المكان المناسبين ونحو ذلك كما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته، كبدر وأحد والخندق وغيرها.
الثاني: للأمير أن يختار أهل مشورته ثابتين أو متغيرين، وعلى أي حال فعليه مشاورة أهل العلم والصلاح والخبرة من أتباعه. وذكرت هذا حتى لا يقول قائل لماذا لم يشاورني الأمير؟ أو لماذا أخذ فلان في الشورى ولم يأخذني؟ ومع ذلك فلكل أخ حق النصح، بل النصح واجب خاصة إذا خفي وجه الصواب والمصلحة على الأمير وعلى أهل مشورته.
وفي اختيار الأمير لأهل مشورته، روى البخاري عن ابن عباس مشاورة عمر لأصحابه لما قدم إلى الشام فوجد الطاعون قد وقع بها. قال عبد الله بن عباس (إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ عُمَرُ ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلافِهِمْ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ قَالَ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ) [1] .
فهذا الحديث يبين أن اختيار أهل الشورى من حق الأمير، وأنه لا يشترط أن يكونوا ثابتين بأشخاصهم، بل المعتبر فيهم الصفة، وهو أهل العلم والصلاح (وهم في الحديث: المهاجرون الأولون والأنصار) وأهل الخبرة والتجربة (وهم في الحديث: مشيخة قريش) فإذا أَمَرَ الأمِيرُ العام أميرَ المعسكر بمشاورة قوم معينين لزمه ذلك طاعة لأميره، بعث عمر بن الخطاب جيشا إلى العراق وأمَّر عليه أبا عبيدة بن مسعود الثقفي ولم يكن صحابيا، قال ابن كثير: [فقيل لعمر: هلا أمرت عليه رجلا من الصحابة؟ فقال إنما أؤمر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم، ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب] [2] .
الثالث: حكم الشورى: وتتفرع منه مسألتان قلما يُفَرِّق بينهما المصنفون، وهما:
أ = حكم مبدأ الشورى (مشروعية الشورى) أي هل يجب على الأمير أن يشاور من معه؟
(1) - رواه البخاري (حديث 5729)
(2) - البداية والنهاية ج 7 ص 26