فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 187

حكم إلزام الشورى: أي إذا شاور فاتفق أهل الشورى كلهم أو أغلبهم على رأي فهل يجب على الأمير العمل بهذا الرأي أم لا يلزمه، وله مخالفته رغم اتفاقهم؟ ولاشك أن هذا في الاجتهاد حيث لا نص ولا حكم شرعي ثابتًا مقررًا. ويراعى أننا نتكلم عن حكم الشورى فيما يتعلق بسياسة الراعي (الإمام أو من دونه) للرعية، وليس فيما يتعلق بتنصيب الإمام السابق أو بالاستيلاء. وبناء عليه فسوف نتكلم هنا إن شاء الله عن حكم الشورى (مشروعيته وإلزامه) فيما يتعلق بسياسة الراعي للرعية:

أ = مشروعية الشورى:

رأي جمهور علماء السلف أن الشورى مندوبة مستحبة وليست واجبة على الأمير. ولم يَرِد إلينا نقل صحيح صريح في الأمر بالشورى إلا نصا واحدا وهو آية آل عمران {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ويرد فيها تساؤلان: هل الأمر في الآية من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أم عام له صلى الله عليه وسلم ولأمته؟ فيها خلاف [1] ولو سلمنا أنه عام، فيرد التساؤل الثاني وهو: هل الأمر في الآية للوجوب أم للندب؟ والأصل أن الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة إلى الندب.

والذي عليه جمهور علماء السلف أن الأمر في هذه الآية هو للندب في حق الأمة والذي يُفهم من كلام السلف رحمهم الله أن القرينة الصارفة لهذا الأمر {وَشَاوِرْهُمْ} من الوجوب إلى الندب هي أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى المشاورة لاستغنائه عنها بالوحي، فكانت على الندب في حقه صلى الله عليه وسلم وبالتالي فهذا هو حكمها لأمته.

وللتأكد من هذا يلزمنا النظر في حال ولاة الأمور في حياته صلى الله عليه وسلم. كأُمراء السرايا والبعوث، هل أَمَرَهم بمشاورة أتباعهم؟ الثابت لدينا أنه كان يأمر الأجناد بطاعة الأمراء كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» [2] . فنقول لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمراءه بالشورى اكتفاء بأمر الله تعالى في قوله تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} فيلزمنا النظر في سيرة أمراءه صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في سياق هذه الرسالة نهي عمرو بن العاص لمن معه في غزوة ذات السلاسل عن إشعال النار وعن تتبع العدو دون مشاورتهم رغم توسط الصديق عنده، وحمد النبي صلى الله عليه وسلم فعل عمرو. ولم يقل له لِمَ لَمْ تشاورهم ولو لتطييب أنفسهم؟ ولم يقل له الصديق يجب أن تشاورنا؟ [3] .

وقال ابن حجر: [وعَدّ كثير من الشافعية المشاورة في الخصائص، واختلفوا في وجوبها فنقل البيهقي في المعرفة الإستحباب عن النص، وبه جزم أبو نصر القشيري في تفسيره، وهو المرجَّح] [4] وصرح ابن حجر ـ في موضع آخر ـ [بأن حكم الشورى هو الاستحباب فقال: [وجاء في استحباب الاستشارة آثار جياد. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الشَّعبي قال: من سَرَّه أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير] [5] .

ونقل النووي الإجماع على أن الشورى مستحبة غير واجبة في حق الأمة، حيث قال في شرح حديث تشاور الصحابة في كيفية الإعلام بوقت الصلاة وبَدْء الأذان، قال: [وفيه التشاور في الأمور لاسيما المهمة وذلك مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء، واختلف أصحابنا هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كانت سنة في حاله صلى الله عليه وسلم كما في حقنا، والصحيح عندهم

(1) - (انظر نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 46)

(2) - متفق عليه

(3) - هذا الحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: أورده الطبراني بإسنادين ورجال الأول رجال الصحيح (مجمع 5/ 322) وسيأتي الحديث بتمامه إن شاء الله، وهو يشير إلى أن الشورى ليست واجبة.

(4) - (فتح الباري) ج 13 ص 341

(5) - (فتح الباري) ج 13 ص 149

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت