فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 187

وجوبها وهو المختار قال الله تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحققو أهل الأصول أن الأمر للوجوب وفيه أنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده ثم صاحب الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة. والله أعلم] [1] .

فالنووي فَرَّق بين حكم الشورى بالنسبة للأمة وبالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال إنها مستحبة في حق الأمة بإجماع العلماء أي أنها سنة في حقنا، أما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فهي واجبة، ثم ختم كلامه ببيان أنها غير ملزمة بقوله [إن صاحب الأَمْر يفعل ما ظهرت له مصلحة] . والنووي بهذا جعل الوجوب من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وحكم بندبها للأمة.

وقد قال الجويني وابن تيمية وابن القيم إن حكم الشورى هو الاستحباب، وستأتي أقوالهم إلا أن القرطبي نقل القول بالوجوب في حق الأمة عن ابن عطية وابن خُوَيْز مَنْدَاد في تفسيره لآية آل عمران [2] فقال ابن خُوَيْز مَنْدَاد (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم) ، وقول ابن عطية أشد، وهو (والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا مالا خلاف فيه) . قلت: أما ايجابهما المشاورة على الولاة فهذا معترض بما نقلته عن ابن حجر والنووي آنفا أن المشاورة مستحبة ليست واجبة، وأما قول ابن عطية: بعزل الوالي الذي لا يستشير، فهذا لم يقل به أحد، والعجب أنه يقول: إن هذا مما لا خلاف فيه والكل على خلافه، ويحتاج الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع يؤيد الوجوب الذي قاله في العزل، حيث قال (فعزله واجب) فكيف حكم بالوجوب بلا دليل؟، وقد دلت النصوص على أن الحاكم ينعزل بالكفر إجماعا فهل ترى الشورى كفر أو حتى فسق، وراجع ما ينعزل به الإمام في الأحكام السلطانية للماوردي ص 17 ـ 20 فلن تجد فيها ترك الشورى، وقال ابن حجر في شرح حديث «من كره من أميره شيئا فليصبر، فإن من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» [3] ، قال ابن حجر [قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لِمَا في ذلك من حَقْن الدماء وتسكين الدَهْماء وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها، وقال ابن حجر أيضا: فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر] [4] .

خلاصة القول: إن قول ابن عطية بوجوب عزل الوالي الذي لا يستشير هو مخالف لقول جمهور العلماء، وليس معه دليل يعضده. أما ما ذكره ابن خُوَيْز منداد وابن عطية (من وجوب مشاورة الولاة للعلماء فيما لا يعلمون) فهذا لا خلاف فيه، خاصة فيما يخفى على الوالي من أحكام الشريعة، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يستشيران في ذلك، وقد قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون َ} . ونحن هنا نتكلم عن الشورى في المباحات ومسائل الاجتهاد لا في المسائل القطعية.

فالصواب: أن الشورى مندوبة مستحبة غير واجبة، وأقصى ما يقال إنها سنة مؤكدة ويندر أن تجد عاقلا مجربا عركته الأيام والتجارب لا يشاور من معه، يكفي أنك بالمشاورة تأخذ خلاقة عقول الرجال، وتضيف إلى عمرك أعمارا أخر، ألا ترى أن الحكيم المجرب يعطيك خلاصة تجربة عمره في كلمات في دقائق؟ ألا ترى أن الشريعة وردت بالنهي عن قتل المرأة والشيخ الفاني والأعمى والمريض والراهب؟ إلا من كان من هؤلاء المذكورين ذا رأي يعين في الحرب جاز قتله [5] وقال المتنبي:

(1) - (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 4 ص 76

(2) - القرطبي 4/ 249 ـ 250

(3) - رواه البخاري عن ابن عباس مرفوعا

(4) - (فتح الباري) ج 13 ص 7، 8

(5) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 543

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت