فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 187

الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني

وقال ابن قدامة: [ومن كان ذا رأي يعين في الحرب جاز قتله، لأن الرأي في الحرب أبلغ في القتال وعنه يصدر القتال] [1] . وهذا الحكم مستفاد من عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم قَتْلَ دريد بن الصُمّة في غزوة حنين، وكان شيخا فانيا لكنه كان ذا رأي في القتال.

أما عن صفات المشير، فقد لخصها البخاري بقوله إنهم (الأمناء من أهل العلم) . وقد قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [2] ، وقال سبحانه: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [3] ، وذكر الماوردي في كتابه (أدب الدنيا والدين) في باب الشورى صفات المشير، فقال هي خمس خصال [إحداهن: عقل كامل مع تجربة سالفة، الثانية: أن يكون ذا دين وتقي فإن ذلك عماد كل صلاح، الثالثة: أن يكون ناصحا ودودا غير حسود ولا حقود وإياك ومشاورة النساء، الرابعة: أن يكون سليم الفكر مَن هَمٍّ قاطع وغَمٍّ شاغل، والخامسة: ألا يكون له في الأمر ا لمستشار غرض يتابعه ولا هوى يساعده. أ هـ باختصار] .

والنهي عن مشاورة النساء يدخل تحت الحديث الصحيح «لن يُفْلِح قوم وَلَّوْا أَمْرَهم امرأة» ولا يشكل على هذا الحديث ما أشارت به السيدة أم سلمة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأها بطلب المشورة، وما أشارت به رضي الله عنها يدخل تحت حديث «الدين النصيحة» . مع التسليم بعصمته صلى الله عليه وسلم من أن يُقَر على خطأ سواء كان المُشير به رجلا أم امرأة، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ولحفصة رضي الله عنهما «إنكن لأنتن صواحب يوسف» [4] . وذلك لَمَّا أَمَر صلى الله عليه وسلم أن يُصَلِّي أبو بكر بالناس في مرضه صلى الله عليه وسلم، فأشرن عليه بعمر، كذلك ينبغي التفريق بين ما شاع من الأمور وعرفه الخاص والعام وبين ما خفي منها.

وقد ورد منع إدخال النساء في الأمور العامة صريحا فيما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لَبِثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلْتُ أَهَابُهُ فَنَزَلَ يَوْمًا مَنْزِلًا فَدَخَلَ الأَرَاكَ فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ فَقَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ثُمَّ قَالَ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لا نَعُدُّ النِّسَاءَ شَيْئًا فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ وَذَكَرَهُنَّ اللَّهُ رَأَيْنَا لَهُنَّ بِذَلِكَ عَلَيْنَا حَقًّا مِنْ غَيْرِ أَنْ نُدْخِلَهُنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِنَا) [5] .

ب - هل الشورى ـ إذا تمت ـ ملزمة للأمير؟

أي إذا اتفق أهل الشورى كلهم أو أغلبهم على رأي، فهل يجب على الأمير العمل بهذا الرأي أم يسعه مخالفته والعمل برأيه.

الجواب: إن الشورى وإن كانت إجماعية فهي غير ملزمة للأمير، وقد أثار المعاصرون جدلا كثيرا حول هذه المسألة بَدْءا من الشيخ محمد عبده إلى يومنا هذا، والشيخ محمد عبده كان مفتونا بالمدنية الأوربية، هو وتلاميذه من مدرسة اللورد كرومر أول مندوب سامي بريطاني بمصر [6] وسبب بحثهم في هذه المسألة وهي إلزام الشورى، هو تقليد النظام الديمقراطي الغربي حيث يقضي هذا بالعمل برأي أغلبية أعضاء البرلمان، الذين ينوبون عن الأمة، تطبيقا لمبدأ سيادة الأمة الذي تقوم عليه الديمقراطية، والنظام الديمقراطي هو نظام وضعي بشري يعني حكم الشعب بالشعب أو"حاكمية الجماهير"كما سماها أبو الأعلى المودودي [7] فالمُشَرِّع في النظام

(1) - (الكافي) ج 4 ص 267

(2) - سورة النحل، الآية: 43 وسورة الأنبياء، الآية: 7

(3) - سورة فاطر، الآية: 14

(4) - رواه البخاري

(5) - كتاب اللباس بالبخاري، حديث 5843

(6) - يراجع كتاب (الإتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) للدكتور محمد محمد حسين ج 2 ص 271،272ـ307

(7) - رسالة الإسلام والمدنية الحديثة ـ لأبي الأعلى ص 33، حيث قال أبو الأعلى: إن الديمقراطية: هي تأليه الإنسان، وهي حاكمية الجماهير. أ هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت