فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 187

الديمقراطي هو الشعب ممثلا في أغلبية نوابه بالبرلمان، وما يُشَرِّعونه يصبح تشريعا ملزما لجميع الشعب، ولذلك فالديمقراطية شرك بالله وكفر أكبر صريح، إذ تسلب حق التشريع من الله وتعطيه للبشر، وقال تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} [1] ، ويكفي في كفر الديمقراطية أن قرارات البرلمان تخرج مُصَدَّرَة (باسم الشعب) وليس (باسم الله) فهم قد وضعوا الشعب موضع الله سبحانه، ولهذا فإن الديمقراطية هي من صور تأليه البشر من دون الله، وقد حرمها الله في قوله تعالى: {وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [2] . وهذا النظام الشركي قد لجأت إليه الأمم الكافرة كاليهود والنصارى بعد ما بَدَّلوا دينهم ولم يبق لهم شرع صحيح وهو أفضل لهم من الحكم الفردي الاستبدادي. أما بالنسبة للمسلمين فالتشريع لله ثم لرسوله صلى الله عليه وسلم، والسلطان إنما هو منفذ لهذه الأحكام، وقلما تجد نازلة ليس لها حكم في الشريعة إما نصا وإما استنباطا. وما لا حكم له أو ما كان مباحا فأمره إلى الإمام له أن يشاور وبتخيير من آراء أهل الشورى أو يدعها ويعمل بنظره هو، وليس لأحد أن يلزمه بالعمل برأي أهل الشورى وإن اتفقوا، وعلى الأمة طاعة الإمام فيما يراه ما لم يكن معصية. والدليل على هذا ما يلي:

أولا: لو افترضنا جدلا أن الأمر في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} هو للوجوب، فهذا في مشروعية الشورى، ولم يرد نص بإلزام الشورى: أي بوجوب طاعة الإمام لأهل الشورى ومن قال إن الإلزام يُستفاد من النص السابق استنباطا وإلا لكان الأمر بالمشاورة عبثا، فنقول له أنت بهذا قد أتيت بزيادة لم تَرِد في النص، وكأن النص يقول: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ثُمَّ أَطِعْهُم) وهذا هو العبث، فلا يصح أن يكون هذا دليلا على الوجوب. وحتى لو أجزنا هذا الاستنباط كدليل لوجوب إلزام الشورى فإنه لا يقوى على معارضة الأمر بطاعة الإمام الواجبة بالنصوص القطعية. فيسقط ما ثبت بالاستنباط والإشارة عندما يتعارض مع ما ثبت بالنص القطعي، والثابت بالنصوص الصريحة القطعية أن الشريعة أمرت الرعية بطاعة الأمير، ولم تأمر الأمير بطاعة الرعية ولا بطاعة أهل الشورى. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [3] ، فما لم يكن فيه حكم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم يجب طاعة أولي الأمر فيه والنزول على اجتهادهم ورأيهم فيه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» [4] . وعن ابن عمر مرفوعا: «السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» [5] ، قول النبي صلى الله عليه وسلم «وكَرِه» في هذا الحديث معناه: فيما يأمر به الأمير من التكاليف الثقيلة على النفس مما ليس بمعصية كما في حديث عبادة مرفوعا «مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا» [6] ، والأمير إنما يُبايع على الطاعة له.

بل إن الأحاديث الآمرة بطاعة الأئمة متواترة وبالتالي هي نصوص قطعية، كما قال العلامة محمد بن جعفر الكتاني في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر) في أبواب الإمامة قال: [176 ـ أحاديث الأمر بالطاعة للأئمة والنهي عن الخروج عليهم: ذكر أبو الطيب القنوجي في تأليف له سماه (العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة) أنها متواترة، ونصه: طاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله باتفاق السلف الصالح لنصوص الكتاب العزيز والأحاديث المتواترة في وجوب طاعة الأئمة وهي كثيرة، ولا يجوز الخروج عن طاعتهم بعدما حصل الاتفاق عليهم ما أقاموا الصلاة ولم يُظهروا كفرا بواحا ـ إلى قوله ـ وقد تواترت الأحاديث في النهي عن

(1) - سورة يوسف، الآية: 40

(2) - سورة آل عمران، الآية: 64

(3) - سورة النساء، الآية: 59

(4) - رواه مسلم عن أبي هريرة

(5) - متفق عليه

(6) - متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت