الخروج على الأئمة ما لم يظهر منهم الكفر البواح أو ترك الصلاة، فإذا لم يظهر من الإمام الأول أحد الأمرين لم يجز الخروج عليه وإن بالغ في الظلم أي مبلغ لكنه يجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الاستطاعة أ هـ].
ومن أصرح ما ورد في هذا كلام شارح العقيدة الطحاوية حيث قال: [وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية] [1] .
ثانيا: وردت الشريعة بتعيين إمام واحد للمسلمين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» [2] . ولمسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا «ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمره قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» ، ولمسلم أيضا عن عرفجة مرفوعا «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» . والإمام هو السلطة الآمرة العليا في الأمة المسلمة، فلو قلنا بأن الشورى ملزمة له وبالتالي للأمة، لقلنا بجواز تعدد السلطة العليا في الأمة وبجواز تعيين خليفتين، وهذا خلاف مقتضى الشريعة.
فالقول ببطلان إلزام الشورى بناء على القول ببطلان تعيين إمامين للمسلمين هو عندي استنباط جيد يدل على أن الشورى غير ملزمة للإمام، بل على الأمة وأهل الشورى إلزام أمر الإمام ونهيه. ولم أجد من نبه على هذا الإستنباط من قبل فيما أعلم. فلله الحمد والمنة.
ثالثا: علماء السلف الذين أفردوا السياسة الشرعية بالتصنيف لم يتكلم أحد منهم عن كون الشورى ملزمة للإمام، نعم منهم من تكلم عن مشروعية الشورى ورأي الجمهور أنها مندوبة مستحبة، أما إلزام الشورى فلم يبحثوه.
فالإمام الماوردي كان إمام الشافعية في عصره وتولى منصب قاضي القضاة، وكذلك القاضي أبو يعلى إمام الحنابلة في زمانه، كلاهما عاش في القرن الخامس الهجري أي كان عمر دولة الإسلام ما يزيد عن أربعة قرون، وكلاهما صنف كتابا في الأحكام السلطانية، ولم يتكلما عن الشورى كواجب على الإمام أو عن كونها ملزمة له، وإنما ذكراها فيما يلزم أمير الجيش من سياسة الجند [3] . بل قد قال الماوردي ما يدل على أن الشورى مستحبة غير واجبة للإمام، فقال: [فإذا أراد الإمام أن يعهد بها ـ أي بالإمامة من بعده ـ فعليه أن يجهد رأيه في الأحق بها والأقوم بشروطها، فإذا تعين له الاجتهاد في واحد نظر فيه، فإن لم يكن ولدا ولا والدا جاز له أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه وغن لم يستشر فيه أحدًا من أهل الاختيار] [4] .
وإما الحرمين الجويني كان معاصرا لهما وصنف كتابا على نمط آخر في السياسة الشرعية وهو (الغِياثي أو غِيَاث الأمم في التياث الظلم) ، وقد هاجم في كتابه هذا الماوردي هجوما شديدا [5] ، ورغم تتبعه لأخطاء الماوردي كتجويزه تولية الذمي وزارة التنفيذ، إلا أن الجويني لم يستدرك على الماوردي عدم بحثه لمسألة الشورى في حق الإمام، والجويني نفسه لن يوجب الشورى على الإمام ولا
(1) - (شرح العقيدة الطحاوية) ط المكتب الإسلامي 1403هـ ص 424
(2) - رواه مسلم عن أبي سعيد
(3) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 43، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 45
(4) - ص 10
(5) - الفقرات 232 ـ 303 ـ 432 طبعة 2 تحقيق دـ عبد العظيم الديب