فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 187

ألزمه بالعمل بمقتضاها، كما يتضح من كلامه التالي: قال[وقد نَدَبَ الله رسوله عليه السلام إلى الإستشارة فقال {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} !! ولا منافاة بين بلوغ الرتبة العليا في العلوم وبين التناظر والتشاور في المعضلات.

ونحن نرى للإمام المستجمع خلال الكمال، البالغ مبلغ الاستقلال ألا يغقل الاستضاءة في الإبالة وأحكام الشرع بعقول الرجال فإن صاحب الاستبداد لا يأمن الحَيْدَ عن سَنَن السداد، ومن وُفِّق للإستعداد من علوم العلماء، كان حريا بالاستداد، ولزوم طريق الاقتصاد.

وسر الإمامة استتباع الآراء، وجمعها على رأي صائب ومن ضرورة ذلك استقلال الإمام، ثم هو محثوث على استفادة مزايا القرائح، وتلقي الفوائد والزوائد منها، فإن في كل عقل مزية، ولكن اختلاف الآراء مفسدة لإمضاء الأمور، فإذا بحث عن الآراء إمام مجتهد، وعرضها على علمه الغزير، ونَقَدَها بالسبر والفكر الأصوب من وجوه الرأي كان جالبا إلى المسلمين ثمرات العقول، ودافعا عنهم غائلة التباين والاختلاف فكأن المسلمين يتحدون بنظر الإمام وحسن تدبيره، وفحصه وتنقيره، ولابد على كل حال من كون الإمام متبوعا غير تابع ولو لم يكن في دين الله، للزمه تقليد العلماء واتباعهم، وارتقاب أمرهم، ونهيهم وإثباتهم، ونفيهم وهذا يناقض منصب الإمامة، ومرتبة الزعامة] [1] .

فقد ذكر الجويني ـ كجمهور العلماء ـ أن الأمر في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ} هو للندب، هذا في مشروعية الشورى، أما إلزام الإمام بالعمل برأي الشورى فقد أنكره الجويني بقوله: [ولابد على كل حال من كون الإمام متبوعا غير تابع] .

وشيخ الإسلام ابن تيمية على علو منزلته في كتابه عن السياسة الشرعية، ورغم أنه عاش في القرنين السابع والثامن الهجري، وعاصر زوال الخلافة العباسية من بغداد على أيدي التتر وعاصر الكثير من الفتن التي كانت بين الأمراء، أقول رغم ذلك فإنه لم يتكلم عن مسألة إلزام الشورى وإنما تكلم عن مسألة مشروعية الشورى ولم يوجبها على الأمير، وأقصى ما قاله في ذلك [لا غِنَى لولا الأمر عن المشاورة ... ] [2] على أنه صرح في موضع آخر على أنه: [أمر استحباب] [3] .

وبالاستحباب قال ابن القيم، حيث ذكر في الفوائد الفقهية لقصة الحديبية [4] قال رحمه الله: [ومنها استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجا لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم، وأَمْنا لعَتَبِهم، وتعرفا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون البعض، وامتثالا لقول الرب في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} وقد مدح سبحانه وتعالى عباده بقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ] .

وأمهات كتب الفقه لم تتكلم عن الشورى في حق الإمام، وإنما ذكرتها في حق القاضي على وجه الاستحباب أيضا، وهذا في المشروعية لا الإلزام حيث قال ابن قدامة: [ (مسألة) (قال وإذا نزل به الأمر المُشكِل عليه مثلُه شاور فيه أهل العلم والأمانة) ـ إلى قوله ـ فإن احتاج إلى الاجتهاد استحب له أن يشاور لقول الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} .. ] [5] .

رابعا: ذكرت في (ثالثا) أن علماء السلف لم يتكلموا عن إلزام الشورى للإمام، وأقول هنا بل الثابت عنهم خلاف ذلك وهو إلزام رأي الإمام في الأمور الخلافية الاجتهادية للأمة جميعا، ويَلْزَم الأمة وأهل الشورى النزول على رأيه وطاعته في اجتهاده، ومن ذلك ما ذكره ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية، حيث قال [وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد

(1) - ص 86 ـ 88

(2) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 386 ـ 387

(3) - الفتاوى ج 16 ص 37

(4) - زاد المعاد ج 2 ص 127

(5) - (المغني والشرح الكبير) كتاب القضاء ج 11 ص 395 ـ 398

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت